فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 337

فلستُ وإنْ أضْحَوْا مضَوْا لسبيلهم ... بناسيهمُ طولَ الحياةِ ولا سالي

ألا تقفان اليومَ قبل تفَرُّقٍ ... ونأيٍ بعيدٍ واختلافٍ وأشغالِ

إلى ظُعُنٍ يسلُكْنَ بين تَبالةٍ ... وبين أعالي الخَلِّ لاحِقَةِ التالي

فلّما رأيتُ الحاديين تَكَمشا ... نَدِمْتُ على أنْ يذهبا ناعِمي بالِ

رفعنا عليهن السيّاطَ فقلّصتْ ... بنا كُلُّ فتلاءِ الذراعينِ مرقالِ

فألحَقَنا بالقومِ كلُ دِفَقَّةٍ ... مُصدَّرةٍ بالرِّحْلِ وَجْناءَ شِملالِ

فَأُبنا ونازْعنا الحديثَ أوانِسًا ... عليهِنَ جَيشانيّةٌ ذات أغيالِ

فملنَ إلينا بالسّوالفِ وانتحى ... بِنا القولُ فيما يشتهي المَرِحُ الخالي [1]

وفي تأملنا للوحة طلل عبيد نجد التساؤل الذي أثاره في الشطر الأول من البيت الأول متعجبًا من بكائه على منزل دارس وبقايا أطلال، ويدفعه الاستفهام (هل) إلى الكفّ عن البكاء لكونه أقوى من أن يهزه ذلك الطلل ويثيره للبكاء.

فالتساؤل والاستفهام يحثّانه على تشكيل صور متلاحقة تعتمد الصوت في مؤداها حيث كانت الديار عامرة بوجود الأحبّة وأصواتهم، تضج بالحياة، وبعد فراقهم أضحت قفرًا إلاّ من حركة أخرى تمزق صمتها، هي حركة الحيوانات وأصواتها مثل: صياح ذكر النعام، وقطعان من البقر والظباء، وإن عمد الشاعر إلى التراسل، مستبدلًا الوحوش بالناس، وما هي إلاّ محاولة منه للتشبث بالبقاء، لكون الحياة لا تدوم على حال.

(1) عبيد بن الأبرص: ق 42/ 112- 114. العوازف: الرياح. العرار: صياح ذكر النعام. الآجال: قطعان البقر والظباء. تباله: موضع، الخل: الطريق بين الرمل، تكمش: جدّ وأسرع. المرقال: السريعة. الدفقة: الناقة في سيرها مثل تدفق الماء. الشملال: الخفيفة السريعة. الجيشانية برود حمر وسود. السوالف، السالفة، صفحة العنق عند معلق القرط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت