يصل بنا إلى إيضاح أوسع في مسألة الهيكل اللفظي لبناء القصيدة [1] .
إن التساؤل وأدوات الاستفهام ومحاولة استنطاق الطلل تؤدي إلى الصورة السمعية التي كثّفها الشاعر متحفزًا ليستقبل زخم الانفعالات المنبثقة من تجربته وانفعاله، متوسلًا بذلك إلى ما يصبو إليه عبر الألفاظ ووقع الأصوات في الأداء الشعري.
والشاعر الجاهلي يستمد قدرته على تكوين الصورة السمعية في اللوحة الطللية من الظروف البيئية والاجتماعية والنفسية التي ترفده بتفاصيل الحياة اليومية التي تشكل هاجسًا قلقًا لديه، ممتزجة بقدرته الإبداعية للتعبير عن حديث النفس، وما تتطلع إليه عبر الأبعاد الزمنية الثلاثة في الماضي والحاضر والمستقبل، وما تلك الأبعاد إلاّ أصوات يبعثها الشاعر فينا تتمثل في صوت الماضي المندثر، وصوت الحاضر الذي هو صوت المتكلم الذي يكمن في تساؤله وما يثيره من استفهام، وصوت المستقبل الذي يتحرك في أعماقه عبر الفعل الذي ينوي القيام به بعد وقوفه على الطلل، ويرتبط ذلك كله بالمكان الذي يشكّل فيه زخم الانفعالات أثرًا واضح المعالم، حيث يتجلى ذلك في تجربته الشعرية التي يتخفف عبرها من همومه المختلفة، ويضمنها بعض التفاصيل التي تهمه في لحظة إبداعية، متأثرة بالظروف الذاتية والموضوعية.
وأمثلة الصور السمعية في الطلل تتعاور بين استخدام الاستفهام بصيغه المختلفة والسؤال وعدم الإجابة، قال المهلهل:
هل عرفتَ الغَداةَ منْ أطلالِ
رَهْنَ ريحٍ وديعةٍ وعزالِ
فسألتُ الديارَ: هل منْ أنيسٍ؟
فتَصامتْ وهيّجت بلبالي [2]
وقال امرؤ القيس مستفهمًا ومتسائلًا، وقد أشاع حرف السين المهموس الصفيري في الأداء الشعري:
لِمَنِ الديارُ عَفونَ بالحبسِ
درستْ وتحسِبُ عهدَها أمسِ
كيفَ الوقوفُ بمنزلٍ خَلَقٍ
(1) دراسات في الأدب الجاهلي، منطلقاته العربية وآفاقه الإنسانية: 1/ 86-87.
(2) المهلهل: 301، بشر بن أبي خازم: ق 4/3/20 ، ق 23/4/109، ق 24/ب1/113.