في حين لا ينسلخ الأثر النفسي عن ذلك كله، فهو العامل الأساس الذي يربطه من خلال التفاعل مع المؤثرين السابقين، إذ لا يمكن أن تكون صوره الشعرية بمعزل عن تأثيرات الشاعر وهواه وميله"والنفس تسكن إلى كل ما وافق هواها، وتقلق مما يخالفه، ولها أحوال تتصرف بها فإذا ورد عليها في حالة من حالاتها ما يوافقها اهتزت له وحدثت لها أريحية وطرب، فإذا ورد عليها ما يخالفها قلقت واستوحشت" [1] ، ومن هنا فإن التأثير النفسي نجده قد انعكس على النصوص الشعرية بدوافع شعورية ولا شعورية لا تنفصل أيضًا عن الواقع الاجتماعي والبيئي، وينبع من قيام حاجة في نفس الشاعر، فضلًا عن مدركاته الحسية الممتزجة بالتصور والخيال، وأن ارتكز على معالم واقعية، غير أنه يجد في إبداعه متنفسًا لآلامه النفسية، أو تعبيرًا عن خلجات نفسه لوعة وأسى، أو فرحًا غامرًا ومدار الأمر لا يعدو كونه يرجع"إلى وصف أحوال الأمور المحركة إلى القول، أو إلى وصف أحوال المتحركين لها أو إلى وصف أحوال المحركات والمحركين معًا، وأحسن القول وأكمله ما اجتمع فيه وصف الحالين" [2] .
على أن العوامل النفسية تعتمد مساحة التوتر القائمة بين الفعل ورد الفعل ويبقى إشباع الحاجة أو الغريزة الداخلية قائمًا، ولكنه يستطيع أن يجد متنفسًا له، لامتلاكه ناصية التعبير، والقدرة الإبداعية، فالهاجس المتوتر في أعماقه يأبى التلبث في سكون ضمن قلقه واضطرابه [3] ، فينقل لنا أسرار النفس، والتأثيرات المختلفة، فيلتقط تلك الأسرار عن طريق حاسة السمع، ويسبغ عليها من براعته الشعرية وقدرته على صوغ تلك الأسرار ليعلنها على الملأ ثانية، فيلتقطها المتلقي واضعًا أمامه صورة سمعية، قال تأبط شرًا:
لتقرعنَّ علَّي السّنَّ منْ نَدَمٍ
(1) عيار الشعر: 53.
(2) منهاج البلغاء: 13.
(3) هل الإبداع حاجة أم ماذا؟ (بحث) : 6.