على أن هاجس الخوف من المجهول يجسد في أعماقه مخاوف كثيرة، يفيد منها في عملية الإبداع الشعري، وقد يجد لها منافذ عبر خلوته، سواءٌ أكان ذلك مع نفسه مثل حوار العاذلة، أم في الصحراء، فيسمع أصواتًا حقيقية، أم موهومة تجد طريقها إلى شعره في ألفاظ تعبّر عن تلك الأصوات، فضلًا عما يسمعه من أصوات مختلفة في حياته اليومية في مجالات شتى، على أن الأصوات الحقيقية والموهومة، ونماذجها موجودة في مواضعها من البحث، بيدَ أننا آثرنا أن نضرب بعض الأمثلة، فمثال الأصوات الحقيقية المستمدة من البيئة التي وظفها الشاعر في الهجاء قول طرفة بن العبد:
ليت لنا مكان الملكِ عمرو
رغوثًا حولَ قُبَّتِنا تَخورُ [1]
فنجد الرغوث، وتخور، بالرغم منْ أنَ أصل الخوار للبقر فجعله للنعجة، وبذلك فقد رسم لنا صورة سمعية ساخرة للمهجو.
في حين يستخدم النابغة الذبياني ألفاظه من البيئة أيضًا للهجاء حيث يقول:
كأنك منْ جِمال بني أقيشٍ
يُقعقعُ خلف رجليهِ بشنِّ [2]
فاستخدم الشاعر (جِمال بني أقيش) لكونها ضعافًا غير عتاق، تنفر من كل شيء، وقد شبّه المهجو في خفة الرأي وقلة التبصر بخفة تلك الجمال، كما استخدم لفظة (يقعقع) محدثًا صوتًا لأنها من الألفاظ التي تحاكي معناها، فالقعقعة صوت يحصل عند تحريك أو قرع شيء يابس، وتستخدم أيضًا لصوت السلاح، والمعنى الأول هو المراد، والشن: قربة بالية يابسة إذا ما قرعت صوّتت، ومن هذا الصوت تنفر تلك الجِمال، وقد أراد بهذا المعنى قوة الهجاء، وإيذاء المهجو، فرسم لنا هذه الصورة السمعية وقد استمد ألفاظه ومعانيه وتشبيهاته من بيئته.
(1) ديوان طرفة بن العبد: 96.
(2) ديوان النابغة الذبياني: 252.