فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 337

ولا بد لنا في هذا التمهيد من معرفة الروافد التي استمد منها الشعراء صورهم السمعية بالرغم من أن هذه العملية شائكة لمن يتصدى لها، إذا ما عرفنا أن النتاج الإبداعي لا ينسلخ عن مقومات أساس تسربت إليه بشكل وآخر، خفي وعلني، وامتزجت فيه حتى ليجد الباحث صعوبة في تلمس التشابك الحاصل في تلك المقومات التي تضافرت على تشكيل تلك النصوص الإبداعية، وقد ربط الشاعر بينها من خلال الوعي الممتزج بالإبداع، وتوظيف المؤثرات البيئية والاجتماعية، والنفسية، واللغوية، والموروث الفني، التي كونت التجربة مع بواعثها وارتباطاتها بالحاجة التي تختلج بأعماق الشاعر، فالهاجس المتوتر في أعماقه يأبى التلبث في سكون ضمن قلقه واضطرابه، فلا بد له من أن يرفع صوته، ولا بد لنا هنا من أن نتناول بإيجاز تلك المؤثرات التي استمد منها الشعراء مادة شعرهم، وخاصة فيما يتعلق بالصور ذات الدلالات السمعية والإيقاعية، وما اغترفوا منها.

على أن المؤثر الأول هو البيئة الطبيعية الجامدة والمتحركة التي عاش فيها الشاعر من خلال ما تدركه الحواس من محيطها، وما يدور حولها من صحراء مترامية ومواضع، وجبال، وكثبان، وأطلال، وجدب، وآبار، ومواضع ماء، ووديان، ورياح، وأنواء مختلفة، وشجر ونبات، وتنقلات مختلفة عبر رحلاتهم الحقيقية والموهومة من خلال رفيقة السفر (الناقة) ومشاهداتهم للحيوانات المختلفة التي حظيت بعنايتهم، فاستمدوا منها ألفاظهم وصورهم وتشبيهاتهم، فكانت وعاء لنصوصهم، وهوية تميز حياتهم البدوية، والحضرية فعرضوا لها، وبسطوا القول فيها، وتناولوا أدق التفاصيل، ولم يتركوا شيئًا إلاّ وصفوه، وشعرهم حافل بها حتى ليضيق مجال تعدادها، وخاصة أصواتهم لأنها تدخل في الصورة السمعية.

وبما أن العصر الجاهلي يعتمد النطق والسماع، فقد حفل الشعر الجاهلي بآلاف الأبيات التي أوردت ألفاظ السمع (السماع) والقول، وقد تمرد العد على الحصر فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت