يرى الأصوليون على اختلاف مشاربهم أن دلالة النص على المسكوت عنه بالمفهوم الموافق قد تكون قطعية وقد تكون ظنية ، والضابط في هذا هو شدة وضوح المعنى في المسكوت عنه ، فإن كان التعليل بالمعنى قطعيا لا يتطرق إليه الاحتمالُ النقيضُ كانت دلالة النص على المسكوت عنه ـ بالمفهوم الموافق أو دلالة الدلالة ـ قطعية .
فقوله تعالى مثلا: { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما } ' [1] ' ، يدل قطعا على تحريم كل أنواع الإيذاء في حق الوالدين كالضرب والشتم ، لشدة وضوح وظهور المعنى فيهما من التأفف والنهر . وإن كان » التعليل بالمعنى غير مقطوع به في المنطوق به ... فإن دلالة المفهوم أو دلالة النص تكون ظنية » ' [2] ' .
ومن أمثلته قوله تعالى: { ومن قتل مومنا خطأ فتحرير رقبة مومنة } ' [3] ' مع قوله تعالى: { ومن قتل مومنا متعمدا فجزاءه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } ' [4] ' . قال الدكتور إدريس حمادي: » لما كان الاختلاف حاصلا في تحديد علة كفارة القتل الخطإ ، كان الاختلاف كذلك حاصلا في وجوب الكفارة أو عدم وجوبها في القتل المتعمد » ' [5] ' ، ولا قطع في مواقع الخلاف . وبيان هذا أن الشافعية قالوا"كما يروي الشريف التلمساني عنهم"أنه » يجب على القاتل عمدا الكفارة ، لأنها لما وجبت على القاتل خطأ كان وجوبها على القاتل عمدا أولى » ' [6] ' .
رأي الشريف التلمساني
عبر الشريف التلمساني عن القطعي والظني بالجلي والخفي:
فأما الجلي فقد مثل له بالآيات الدالة على مفهوم الموافقة الذي يكون فيه المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به ، لأن المسكوت عنه المساوي"لحن الخطاب"، لا يُدْخله ضمن مفهوم الموافقة كما مر بنا في تعريفه .
(1) سورة الإسراء الآية 23.
(2) الخطاب الشرعي: ص249.
(3) سورة النساء الآية 91.
(4) سورة النساء الآية 92.
(5) الخطاب الشرعي: ص249.
(6) مفتاح الوصول: ص113.