ولعل إنكار الاحتجاج بمفهوم الموافقة هو إنكار لحجية القياس ، لأن مفهوم الموافقة دائما يخرج في قالب قياس ، فقوله تعالى مثلا: { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما } ' [1] ' ينطبق عليه حكم القياس ؛ الأصل فيه التأفف والنهر المنصوص عليهما ، وحكمهما التحريم في حق الوالدين ، وعلة هذا الحكم هي إذاية الوالدين ، والفرع هو الضرب والشتم وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى إذاية الوالدين ، ولا معنى للقياس إلا هذا ، فالأصل في القياس هو نفسه المنطوق به ، والفرع هو المسكوت عنه الذي يأخذ حكم المنطوق به عن طريق مفهوم الموافقة .
إلا أن حجية المفهوم الموافق في هذه الحالة أشد ظهورا من حجية القياس ، لأن علة الفرع في القياس لا تكون أشد ظهورا من علة الأصل ، لكن في فحوى الخطاب تكون العلة في المسكوت عنه أشد ظهورا من المنطوق به ، ولهذا فإن إنكار حجية القياس يستلزم عنه إنكار حجية مفهوم الموافقة ، وهو مذهب الظاهرية .
دلالة مفهوم الموافقة
هل هي لفظية أم قياسية ؟
قال صاحب الإبهاج: » واختلفوا في أن دلالة النص عليه هل هي لفظية أم قياسية ، والذي عليه الجمهور أنها قياسية ، قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع: وهو الصحيح، لأن الشافعي سماه القياس الجلي » ' [2] ' ...
وبالنظر في الكتب الأصولية التي تطرق أصحابها لهذه المسألة يتبين أن الجمهور يذهبون إلى أن دلالة النص على مفهوم الموافقة غير قياسية وإنما هي ناتجة عن فحوى اللفظ ، يقول الآمدي: » وقد احتج القائلون بالفحوى بأن العرب إنما وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في التأكيد للحكم في محل السكوت ، ولهذا فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقا للآخر قالوا:"هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس"» ' [3] ' .
(1) سورة الإسراء الآية 23.
(2) الإبهاج: ج1 ص367.
(3) الإحكام للآمدي: ج3 ص68.