فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 41

• للحياة غايةٌ عظيمةٌ ، تزخر بكل معاني السعادة والشعور بالقيمة من خلال السعي إلى سائر الأهداف النبيلة ، فمن نَظَرَ إليها من هذا المنظور ؛ شعر بأنه عزيزٌ في دنياه ، راجيًا السعادة في آخرته ، أما من حُرم هذا المنظور ؛ فإنه ينظر إليها من منظورٍ هو أقرب ما يكون لمنظور الحيوانات التي لا تعرف معنىً لعيشها سوى المأكل أو المشرب ، وما عدا ذلك ، فهي همومٌ لا ينبغي أن يشغلوا أنفسهم بها ، مهما كانت غايتها أو نبل هدفها !! فأخرجوا أنفسهم بذلك من السعة إلى الضيق ، ومن العز إلى الذل ، ومن الكرامة إلى المهانة ، إذ حصروا أنفسهم في هذه الدائرة الضيقة ، وفي هذه القصعة الصغيرة التي تداعى عليها كلاب الأرض قاطبةً لينهشوا ما بداخلها ، وهم بين تعيسٍ على فواتِ حظِهِ ، أو حاقد على غيرهِ ، أو متربصٍ لأخذ ثأره ولا حظّ لأحدٍ منهم في استشعار أي نوعٍ من أنواع السعادة ، لأنهم أوحلوا أنفسهم في أعماق ظلمة الوحشة والكآبة والضيق والتعاسة ؛ بإمعان البذل في تلبية متطلبات الجسد دون الروح حين أقبلوا على ما هو فانٍ ، وأعرضوا عما هو باقٍ ، فكان واقع حياتهم مكذبًا لزيف أمنياتهم وكان قصر آجالهم محطمًا لطول آمالهم ؛ فوقعوا بين الحسرة على ما فات ، والخوف والهلع مما هو آت ، ففاتت عليهم دنياهم دون أن يعرفوا معنى لحياتهم ، وأقبلت عليهم آخر تهم دون أن يقدموا لأنفسهم عملًا بين يدي ربهم ، وهكذا ذهبت منهم حياتهم ، وانقطع منهم ذكرهم بمجرد مماتهم ، وذلك لأنهم ما عاشوا لغيرهم ، وإنما عاشوا فقط لأنفسهم ، لأنهم ما عرفوا لذة البذل لربهم ، والسعي لعزة أمتهم ، ولو عرفوها ؛ لما نسي الناس ذكرهم ، حتى بعد انقضاء آجالهم ، لأنهم عاشوا لقضيةٍ خالدةٍ ؛ فَخَلَدوا معها بذكرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت