وبالجملة فالصوم الصحيح يدعو صاحبه إلى ترك المحرمات، فإن المعصية إذا سولت للإنسان نفسه أن يقترفها رجع إلى نفسه، وفكّر وقدر ونظر واعتبر، وقال مخاطبا نفسه: كيف أقدم على معصية الله وأنا في قبضته وتحت سلطانه، وخيره عليَّ نازل، وأنا أتقرب إليه بهذه العبادة؟!
ومن الذين لم يستفيدوا من صيامهم: أولئك الذين يسهرون على تعاطي الدخان المحرم الذي هو ضار بكل حالاته ووجوهه، فلا شك أنهم لم يستفيدوا من صيامهم؛ ذلك أن الصوم تبقى آثاره، وهؤلاء لا أثر للصيام عليهم.
فالصائم الذي امتنع عن شرب الدخان طوال نهاره، وكذلك عن شرب الخمر المحرمة - والعياذ بالله - ولكنه تناول ذلك في ليله، فهذا الفعل دليل على أنه لم يستفد من صومه، وإنما صومه عليه وبال.
«ثمرة الصّيام» :
فالصيام الصحيح هو الذي يزجر صاحبه عن المحرمات:
فإذا دعته نفسه إلى شرب خمر رد عليها وقال: كيف أترك الطعام في النهار، وأتناول الخمر في الليل؟! أليس الذي حرّم هذا هو الذي حرم ذاك؟ كيف أؤمن ببعض الكتاب وأكفر ببعض؟ [1] .
وإذا نادته نفسه، وزينت له أن ينظر بعينيه إلى شيء من العورات؛ كأن ينظر إلى صور عارية في أفلام ونحوها، أو ينظر إلى النساء المتبرجات رجع إلى نفسه وقال: كيف أمتنع عن الحلال الذي حرمه الله -في النهار- كالأكل والشرب، وآتي شيئا محرما تحريما مؤبدا في آن واحد؟ !
وهكذا إذا دعته نفسه إلى أن يتناول شيئا من المكاسب المحرمة كرشوة أو ربا أو خديعة في معاملة، أو غش، أو ما أشبه ذلك رجع إلى نفسه، وقال: لا يمكن أن أجمع بين فعل عبادة وفعل معصية، فإذا رجع إلى نفسه تاب من فعله وأناب.
فهذه أمثلة في أن الصائم صحيح الصيام يستفيد من صيامه في ترك المعاصي؛ سواءً كانت تلك المعاصي محرمة تحريما مؤقتا كالطعام والشراب، أو تحريما مؤبدا كالخمر والميسر والقمار والدخان والرشوة والغش والربا والزنا والملاهي ونحوها، فإن هذه تحريمها أكيد.
فالمسلم يتفكر في أن الذي حرم هذا هو الذي حرم ذاك فيمتنع بصيامه عن كل ما حرم الله عز وجل.
(1) وهذا شأن اليهود أنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، قال تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [سورة البقرة، الآية: 85] .