الحديث: (( إذا سجد العبد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده وذلك أدناه ) ) [رواه أبو داود] ,وكذلك الأمر في الركوع وربما مكث قدر ما يقول القائل عشر مرات ,وربما مكث فوق ذلك ودونه, وأوسطه خمس مرات, وأدنى الكمال ثلاث,,مع العلم أنه يجوز للمصلي الإتيان بأكثر من دعاء من أدعية الركوع الواردة لحديث: (( فأماالركوع فعظموا فيه الرب ) )فلو قال: (( سبحان ربي العظيم, سبوح قدوس ) )جاز؛ لأنه قال: (( فعظموا فيه الرب ) ).
50 -ومن الآداب المرعية في الركوع: استحضار عظمة الله في القلب والقول. فإن الفضل يكون بنفس العمل وجودته لا بقدره وكثرته, فقد يسبح عدد ثلاث تسبيحات بحضور قلب ونشاط ورغبة أفضل من مائة تسبيحة من الغافل الساهي, ولهذا قال الله: {لنبلوهم أيهم أحسن عملا} ولم يقل: أكثر عملا. فرب تسبيحة من إنسان أفضل من ملء الأرض من عمل غيره, فقد كان إدريس يرفع له في اليوم مثل عمل جميع أهل الأرض. وأن الرجلين ليكونان في الصف وأجر مابين صلاتهما كما بين السماء والأرض, وقد فضل الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومدة نبوته بضع وعشرون سنة على نوح, وقد لبث ألف سنة إلا خمسين عاما, وكذلك أمته أفضل ممن عمل من أول النهار إلى صلاة الظهر وهم اليهود, وعلى من عمل من صلاة الظهر إلى صلاة صلاة العصر وهم النصارى؛ والسبب لأن الإيمان الذي في قلوبهم كان أكمل وأفضل.
والحاصل: أن السلف كانوا يوصون بإتقان العمل وتحسينه دون الإكثار منه مع الغفلة وعدم الإتقان, فكم بين من تصعد صلاته ولها نور وبرهان وتقول: حفظك الله كما حفظتني, وبين من تلف صلاته كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني.
51 -ومن الآداب المرعية في الصلاة: الرفع من الركوع حتى يرجع كل عظم إلى مكانه. وهذا الاعتدال ركن تبطل الصلاة بتركه, ففي الحديث: (( ثم ارفع حتى تعتدل قائما ) ) [رواه البخاري] خلافا لما يفعله بعض العوام من الاستعجال فتجد الواحد منهم قد يبكر في الذهاب إلى الصلاة, فإذا صلى لم يتم الرفع من الركوع, فقبل أن يستتم واقفا يسجد وهذا من تلبيس الشيطان على المصلي حتى لا يتم سجوده وركوعه؛ لعلمه بأن الله يرحم المصلي بكثرة ذكره وشكره وتمجيده في الركوع والرفع منه والسجود, فبمجرد أن يكبر جاءه الشيطان بالخطرات ويذكره بما لم يخطر له على بال حتى يصرفه عن الصلاة والتلذذ بها, وهذا باب عظيم ينبغي العناية به, فأعظم الناس حظا في الصلاة أعظمهم خشوعا, فينبغي لمن أهمته نفسه وصلاته أن يحرص على الرفع من الركوع حتى يعتدل قائما, فإن الله لا يقبل صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود, ففي الحديث: (( لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم صلبه في الركوع والسجود ) ) [رواه أبوداود, والترمذي وقال: حسن صحيح] .