المرتبة الثانية الهجر
فإذا لم ينفع الوعظ ولا التذكير بالرفق واللين وأصّرت المرأة على خلافه، انتقل الزوج بعدها إلى المرتبة الثانية من مراتب العلاج والاستصلاح، وهو أشد، وهذه قاعدة واضحة في الشريعة (البدء بالأسهل) ، يوليها ظهره في المضجع، أو ينفرد عنها بالفراش، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} : الهجران ألا يجامعها ويُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ فِي فِرَاشِهِ. أحكام القرآن لابن العربي (2/ 338) . قال سعيد بن جبير: الهجر هجرُ الجماع. تفسير الطبري (8/ 302) .
وجاء أيضًا:"لا يكلمها ولا يحدّثها، وذلك عليها شديد".
والهجر إنما يكون في المضجع لا في البيت، فلا يجوز له أن يهجر في غير الفراش إذا كان الهجر في الفراش كافيًا، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ ) )أبو داود (2142) وأحمد. وصححه الألباني.
وهذا يدل على أن فراش الزوج والزوجة واحد، ولذلك صار الهجر في الفراش بأن يوليها ظهره، وهذا الهجر من عدم الجماع وعدم التحدث يشعرها بجدية الزوج في تصرفه، وأنه هنالك حقًا ما أزعجه لدرجة أنه صار موليًا لها، وهذا فيه تأثير شديد في نفسها، وهذه الطرق الإلهية والخطوات القرآنية من أحكم الحاكمين الذي خلق المرأة وخلق الرجل ويعلم ما يؤثر في هذا وما يؤثر في هذه.
لا زالت القضية حتى الآن سرية بينهما، وعظ بينهما، وكذلك هجرًا بينهما، فإذا لم تستفد الزوجة من هذا الهجر المستثنى من حديث هجر المسلم لأخيه فوق ثلاث، بدليل هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- أزواجه شهرًا تأديبًا لهن لما تمالأن عليه في قصة العسل ومارية وسؤال النفقة والإحراج والإكثار والإيذاء، وإلا فلم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليهجر زوجاته من شيء يسير، فإنه أكرم خلقًا من ذلك، ولعل هذا وافق شيئًا من الاعتكاف مثلًا فدخل فيه.
المرتبة الثالثة الضرب
فإذا لم ترتدع الزوجة بالموعظة ولا بالهجران، انتقل معها إلى المرتبة الثالثة والعلاج الأشد، وهو الضرب لقوله تعالى {وَاضْرِبُوهُنَّ} ، لكنه لم يهمل الضرب بل قيده، كما قال -عليه الصلاة