المرتبة الرابعة اختيار الحكمين
{وَإِنْ خِفْتُمْ} يا أيها الحكام ومنهم القضاة، والأولياء أو يا أيها المؤمنون عمومًا، {وَإِنْ خِفْتُمْ} يدخل في ذلك الزوجات: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} أرسلوا، والأمر للوجوب، لأن مصلحة الأسرة في حكم الشرع مهمة جدًا، {فَابْعَثُوا} شفقة المسلمين لبعضهم البعض، شفقة الحكام، وولاة الأمر، القضاة، أهل الحل والعقد، وجهاء الناس، يا أيها المؤمنون عمومًا، يجب أن يقام بهذا الحكم، ممن يستطيع إقامته، الخطاب موجه له، {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} المؤمنون أهل الإسلام يد واحدة، يسعى بعضهم في إصلاح بعض، {حَكَمًا} رجلًا حرًا ثقة عدلًا خبيرًا بدقائق الأمور، بصيرًا بطرائق الإصلاح، عارفًا بالأحكام أمينًا يكتم الأسرار. حكمًا ينبغي حسن اختياره ليكون قادرًا على إنجاح المهمة، حكمًا كلمة كبيرة، أولًا {مِنْ أَهْلِهِ} : من أقارب الزوج، {وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} : من أقارب الزوجة. لماذا؟ قال المفسرون: لأنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، - وآمن وأحفظ للأسرار فتحصل بهما طمأنينةٌ أكثر- ونفوس الزوجين تسكن إليهم، ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات ذلك ومقتضياته وما يخفيانه عن الأجانب، ولا يحبان أن يطلعوا عليه. الكشاف (1/ 407) .
لأن أباها ينتظر وأبوه ينتظر وأمه تنتظر وأمه تنتظر، قد يكون الأولاد في حال انتظار وترقب، ماذا يفعلان؟ يستكشفان الحال، يتعرفان على الظالم والمظلوم، يتبينان أسباب الخلاف، يستمعان من الطرفين، والاستماع أمر مهم، ومناقشة ثم يجتمعان ويتحاوران ويتشاوران فيما هو الأصلح للزوجين من الموافقة أو المفارقة، وإذا كان الاستمرار فبأي طريقة يكون، وماذا يلزم به الطرفان، وإذا كان الفراق فبأي طريقة يكون؟ طلاقًا خلعًا فسخًا بعوض بغيره، فإن تعذر أن يكون الحكمان من أقارب الزوجين فلا بأس أن يكون من الأجانب كما قال العلماء، فإن لم يكن لهم أهل، قد يكونان في بلد غربة، جاليات إسلامية في الخارج، أو كان ولم يكن فيهم من يصلح لذلك، ليس بعدلٍ، لا يوجد من أقاربها أو من أقاربه من يصلح، قال العلماء: فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَخْتَارُ حَكَمَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، - وبالإضافة إلى ذلك - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَا جَارَيْنِ. أحكام القرآن لابن العربي (2/ 351) .