والعقيدة إحساس وشعور وإدراك عقلي مجرد ، إحساس يبدأ منذ الولادة، وقد يصعب علينا فهم ذلك ، لكن عالم المهد (منذ الولادة حتى السنة الثانية) مازال عصيًا على العلم ، فكيف يتعرف الطفل على أمه وأبيه ، ويعرف أن الابتسامة رضا ، والعبوس غضب ، ويخاف من الوحدة ، بينما يأنس بالآخرين... ثم كيف يلتقط اللغة في تلك السن المبكرة فيقلدها ... الخ . كل هذه الأمور وغيرها كثير لا نعرف كيف تتم لدى الرضيع ، ولا نعرف ماذا يجري غيرها أيضًا ، ومن تلك التي لا نعرفها كيف يحس الرضيع ويشعر الطفل قبل أن يدرك الراشد قضايا العقيدة .
ويقول محمد قطب: ( إن القيم والمثل العليا فطرة ، تنشأ تلقائيًا في داخل النفس ، في مرحلة معينة من نموها ، والتوجيه الخارجي يشكل القيم ويحددها، أو نقول أدق من ذلك: إن النفس البشرية مهيأة فطريًا لإفراز تلك القيم وهذه المثل ، ويكون هذا مصداق الحديث النبوي الشريف:( ما من مولود إلا يولد على الفطرة ... ) [ محمد قطب ، (2/202) ] . ويقول أيضًا: ( قل إن شئت إن البذرة الأولى لتفتح الفطرة لخالقها قد بدأت مبكرة في مرحلة الطفولة ، حين بدأ الطفل يتساءل عن أسرار الكون من حوله... لكن الصلة الوجدانية بالخالق قد أخذت صورة أدق في سن المراهقة ، كما تنبثق الأزهار في الشجرة خارجة من أكمامها [ المرجع نفسه ،(2/268) ] .
وفي هذا المعنى يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله عندما ذكر الأذان في أذن المولود اليمنى ، والإقامة في اليسرى ، يقول: ( ... وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه ، وتأثره به ، وإن لم يشعر ، مع ما في ذلك من فائدة أخرى... وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان ، كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها، سابقة على تغيير الشيطان لها ... ) (1) .
التربية الروحية في المهد:
(1) ابن قيم الجوزية ، تحفة المولود ، ص 26 .