لهذه الأسباب الثلاثة وغيرها كان القرشيون يبعثون أطفالهم ليرضعوا في البادية . أما في شريعة الله عزوجل التي شرعها للبشرية كافة ، ولكل زمان ومكان فقد قال عزوجل: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ...} [ البقرة: 232] . ويقول سيد قطب رحمه الله إن على الوالدة المطلقة - لأن الآية جاءت بعد آيات أحكام الطلاق - واجب تجاه طفلها الرضيع يفرضه الله عليها ، ولا يتركها فيه لفطرتها وعاطفتها التي قد تفسدها الخلافات الزوجية ، فيقع الغرم على هذا الصغير . إذ يكفله الله ويفرض له في عنق أمه ، لأن الله سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل (1) .
الفرق بين المرضعة والمربية:
المرضعة يفرز جهازها الغددي هرمون ( برولاكتين ) ، وهو الذي يدفع الأم للعطف على طفلها خاصة ، والأطفال الصغار كذلك ، وقد حقن علماء النفس أنثى الفأر ( العزبة ) بهذا الهرمون ، كما حقنوا الفأر الذكر به أيضًا ، فلاحظوا أن كليهما أبدى عطفًا وحنوًا على صغار الفئران .
فالأم التي ترضع طفلًا مولودًا لها ، وترضع معه طفلًا آخر ، هذه الأم تحنو عليهما معًا لأنها مدفوعة - عضويًا - إلى العطف على الأطفال .
أما المربية المعاصرة فهي خادمة أو موظفة ، لا ترضع ، ولا يوجد لديها هرمون (برولاكتين) لذلك لا تستطيع أن تحنو على الطفل مثل المرضعة ، هذا من الناحية العضوية .
أما من الناحية الاجتماعية والخلقية فقد كان العرب يختارون المرضعة من القبائل المشهورة بقيمها وصفاتها الحميدة ، وقد عرفوا أثر الرضاعة على شخصية الرضيع ، وعرفوا أن الطفل يرضع بجانب اللبن خصال الفتوة والطباع والعادات والأخلاق والفضائل .
(1) سيد قطب ، في ظلال القرآن ، (1 / 254) .