والتفرقة التي ذكرها الشافعية بين توقيت الكفالة بالنفس والكفالة بالمال غير وجيهة عندي، لأن الكفيل قد يكون له غرض في أداء المال في وقت معين كما قالوا في الكفالة بالنفس.
ولا أوافق الأستاذ/ علي الخفيف فيما ذهب إليه من أن الكفالة بالمال ليس هناك ما يمنع توقيتها على الرأي القائل بأنها ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة فقط، أمّا على الرأي القائل بأنّ ذمة الكفيل تصبح مشغولة بالدين أيضًا وهورأي الجمهور، فإنّ مقتضاه عدم جواز التوقيت معللًا عدم الجواز بقوله: (ذلك لأن المعهود في الشرع أنّ الذمة إذا شغلت بالدين الصحيح وهو ما تصح فيه الكفالة، لم تبرأ إلا بأدائه أو بالمعارضة عليه، أو بإسقاط الدائن إياه، أو بهبته للمدين، أمّا إنّها تبرأ بمضي زمن محدّد فيكون مضي هذا الزمان مسقطًا للدين فلا عهد لنا به في الحقوق، لأنّها لا تسقط بمضي الزمن ولا بالتقادم شرعًا ..
ومن المعلوم أنّ دين الكفالة من الديون الصحيحة القوية فإذا ثبت في الذِّمة ولو كانت ذمَّة الكفيل لم يسقط بمضي الزمن، وعلى ذلك يكون مقتضى هذا الرأي (رأي الجمهور) عدم قبول الكفالة للتوقيت حتى لا يترتب على توقيتها سقوط الدين عن الكفيل بمضي الزمن الذي أقتت به، ذلك ما نستظهره (34) .
استظهار الأستاذ الخفيف يكون مقبولًا لو أنّ الدين إذا سقط عن الكفيل يسقط نهائيًا ولا يستطيع صاحبه الحصول عليه، ولكن الحاصل في حالتنا أنّ الدين يسقط عن الكفيل، ولكنه يبقى في ذمة الأصيل ويستطيع صاحبه أخذه من الأصيل، فلا تعارض بين القول بسقوط الدين عن الكفيل بمضي المدة وقاعدة عدم سقوط الدين بمضي المدة، لأن الدين لم يسقط.
المسألة الثانية: المبلغ المضمون في خطاب الضمان غير ثابت في ذمة المضمون عند العقد:
ظهر لنا من التعريف بخطاب الضمان أنّ المبلغ الذي يتعهد البنك بدفعه للمستفيد - المضمون له - غير ثابت في ذمة العميل - المضمون. ولكنه قد يثبت في المستقبل إذا أخلّ العميل بالتزامه، فهل يجوز هذا الضمان في الفقه الإسلامي؟.
نعم يجوز ضمان ما يثبت في ذمة المضمون ولو لم يكن ثابتًا في العقد في مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو أحد قولين عند الشافعي (35) . يقول الدردير (وشروط الدين لزومه للمضمون في الحال، بل ولو يلزم المضمون في المال أي المستقبل كدائن فلانًا وأنا أضمنه، أو إذا ثبت لك عليه دين فأنا ضامن) (36) .
ويقول ابن قدامة (ولا يشترط كون الحق معلومًا(37) ، ولا واجبًا إذا كان مآله إلى الوجوب فلو قال ضمنت ما على فلانًا أو ما تداينه به صحّ) (38) .
المسألة الثالثة: المبلغ المضمون في خطاب الضمان قد لا يكون معلومًا عند العقد:
رأينا في تعريف الدكتور علي جمال الدين عوض لخطاب الضمان أنّ المبلغ المضمون قد يكون معينًا، أو قابلًا للتعيين، ويشرح الدكتور علي جمال الدين هذا بقوله: (الأصل أن يحدد ضامن البنك بمبلغ معين، ومع ذلك فمن المتصور أن يصدر الخطاب بغير تحديد مبلغ، بل يتعهد فيه البنك أن يضمن عميله في كل ما يسببه تصرفه من ضرر للغير أي المستفيد .. وتعهُّد البنك على هذا النحو صحيح، لأن محله لم يكن محددًا فهو قابل للتحديد(39) ، فهل يقبل الضمان في الفقه الإسلامي هذا؟.
نعم يقبله وتصح الكفالة - الضمان - ولو كان المال المضمون مجهولًا عند أكثر الفقهاء لأنها مبنية على التوسع كما يقول ابن عابدين (40) ، ولأنها التزام في حق الذمة من غير معاوضة فتصح في المجهول كما يقول ابن قدامة (41) ،