ولأنها من إيجاب المرء المعروف على نفسه ومن أوجب المعروف على نفسه لزمه، كما يقول مالك (42) ، ولأن الضمان لا ينافيه الغرر لأنه ليس معاوضة، كما يقول الشهيد الثاني (43) .
يقول المرغيناني: (وأما الكفالة بالمال فجائزة معلومًا كان المال أو مجهولًا، إذا كان دينًا صحيحًا مثل أن يقول تكفلت عنه بألف، أو بما لك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع لأن مبنى الكفالة على التوسع فيحتمل فيها الجهالة وعلى الكفالة بالدرك إجماع وكفى به حجة) (44) ، ويقول الكمال: (والكفالة بالمال عندنا جائزة وإن كان المال المكفول به مجهول المقدار وبه قال مالك وأحمد والشافعي في القديم) (45) .
ومذهب الحنابلة يتفق تمامًا مع ما قرره الدكتور علي جمال الدين، فقد جاء في المقنع وحاشيته (ولا يشترط كون الحق معلومًا إذا كان مآله إلى العلم) (46) .
المسألة الرابعة: التزام البنك بدفع المبلغ للمستفيد مشروط بعدم وفاء المضمون (العميل) بالتزامه:
رأينا بعض التعريفات لخطاب الضمان وبعض النماذج تنص على أن البنك يتعهد بالدفع عندما يطلب المستفيد منه المبلغ مؤكدًا فشل العميل في عدم الوفاء بالتزاماته. فهل هذا مقبول في الضمان في الفقه الإسلامي؟.
نعم هو مقبول، لأنه إمّا أن يكون تعليقًا للضمان، إذا كان المراد فشل العميل في اتخاذ الترتيبات اللازمة عند رسو العملية عليه في خطاب الضمان الابتدائي، أو فشله في الوفاء بالتزاماته المنصوص عليها في العقد في خطاب الضمان النهائي، وتعليق الضمان بالشرط الملائم جائز عند الحنفية (47) ، والمالكية (48) . وفي أحد قولين عند الحنابلة (49) ، والأصح عند الشافعية عدم الجواز، والثاني الجواز (50) .
أمّا إذا كان المراد فشل العميل في دفع المبلغ المستحق عليه لعدم وفائه بالتزامه فإنه يكون مقبولًا أيضًا على الرأي المرجوع إليه عند مالك من أنه لا يجوز مطالبة الكفيل إلا عند تعذر مطالبة الأصيل (51) ، وإن كان رأي الجهور أن الدائن له أن يطالب الكفيل بأداء الدين، دون أن يتقيد في ذلك بتعذر مطالبة الأصيل (52) .
المسألة الخامسة: مطالبة المضمون (العميل) بدفع المبلغ المضمون كاملًا:
يطالب البنك في بعض الحالات العميل - المضمون - بدفع المبلغ المضمون عند إصدار خطاب الضمان ليدفعه للمستفيد عند طلب منه - وهذا هو خطاب الضمان المغطى.
فهل في الفقه الإسلامي حكم لهذه المسألة؟ نعم لها حكمها في المذاهب الأربعة:
وهذه خلاصة لما جاء في متن تنوير الأبصار وشرحه وحاشية ابن عابدين عليه: إذا دفع الأصيل المال إلى الكفيل على وجه القضاء بأن قال له إني لا آمن أن يأخذ منك الطالب حقه، فأنا أقضيك المال قبل أن تؤديه، فليس له أن يسترده منه، وإن لم يعطه الكفيل إلى الطالب لأنه ملكه بالاقتضاء، فالكفالة توجب دينًا للطاب على الكفيل، ودينًا للكفيل على الأصيل.
أمّا إذا دفع الأصيل المال إلى الكفيل على وجه الرسالة بأن قال المطلوب للكفيل خذ هذا المال وادفعه إلى الطالب، فإن المال المدفوع لا يكون ملكًا للكفيل، وإنّما يكون أمانة في يده، يأخذ حكم الأمانة ولكن لا يكون للمطلوب أن يسترده من الكفيل، لأنه تعلق به حق المطالب.