وفي حالة دفع الأصيل المال إلى الكفيل على وجه القضاء يجوز للكفيل التصرف فيه بالاستثمار وغيره، وله ربحه لأنه نماء ملكه وإذا هلك المال ضمنه.
أما في حالة قبل الكفيل المال على وجه الرسالة فإنه لا يجوز له التصرف فيه، وإذا هلك يهلك هلاك الأمانة، وإذا استثمره الكفيل فربح لا يطيب له الربح، وعليه أن يتصدق به لأنه غاصب.
ولو أطلق المطلوب عند الدفع للكفيل فلم يبين أنه على وجه القضاء أو الرسالة يقع عن القضاء.
هذه الأحكام خاصة فيما إذا كانت الكفالة بأمر المكفول (53) ، والكفالة بالأمر هي الصورة التي تتفق مع خطاب الضمان، لأنه يكون دائمًا بالأمر.
وفصل المالكية حكم هذه المسألة أيضًا، ونورد فيما يلي ما كتبه الشيخ الدردير بنصه لوضوحه: (وليس للضامن مطالبة الغريم بتسليم المال إليه ليوصله إلى ربه وليس على الغريم دفعه له، وضمنه الضامن إن اقتضاه من الغريم ليوصله إلى ربه سواءً طلبه منه أو دفعه له الغريم بلا طلب، لكن على وجه البراءة منه، ولو تلف منه بغير تفريط أو قامت على هلاكه بينة، لأنه متعد بقبضه بغير إذن ربه -(المضمون له) .
وحيث قبضه على وجه الاقتضاء بغير إذن ربه كان لربه غريمان، يطلب أيهما شاء، لا إن أرسله المدين به إلى رب الدين فضاع منه، فلا ضمان حيث لم يفرط، لأنه صار أمينًا بالإرسال، ومثل الإرسال لو دفعه له على وجه التوكيل عنه في توصيله لربه أو هو إرسال حكمًا فلا ضمان على الضامن، ولو تنازعا، فقال الغريم: قبضه مني اقتضاء، وقال الضامن بل رسالة، أو توكيلًا. فالقول للغريم وكذا لو انبهم الأمر كما لو مات الضامن أو غاب) (54) .
ويقول الشيرازي الشافعي في بيان حكم هذه المسألة: (فإن دفع المضمون عنه مالًا إلى الضامن، وقال خذ هذا بدلًا عمّا يجب لك بالقضاء ففيه وجهان:
أحدهما: يملكه، لأن الرجوع يتعلق بسببين الضمان والغرم، وقد وجد أحدهما، فجاز تقديمه على الآخر، كإخراج الزكاة قبل الحول وإخراج الكفارة قبل الحنث، فإن قضى عنه الدين استقرّ ملكه على ما قبض وإن أبرئ من الدين قبل القضاء وجب ردّ ما أخذه، كما يجب ردّ ما عجل من الزكاة، إذا هلك النصاب قبل الحول.
والثاني: لا يملكه لأنه أخذه بدلًا عمّا يجب في الثاني فلا يملكه كما لو دفع إليه شيئًا عن بيع لم يعقده، فعلى هذا يجب رده فإن هلك ضمنه، لأنه قبضه على وجه البدل فضمنه كالمقبوض بسوم البيع (55) .
ويقول ابن قدامة مبيّنًا مذهب الحنابلة في المسألة: (إذا ضمن عن رجل بإذنه فطولب الضامن فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه، لأنه لزمه الأداء عنه بأمره، فكانت له المطالبة بتبرئة ذمته، وإن لم يطالب الضامن لم يكن مطالبة المضمون عنه، لأنه لما لم يكن له الرجوع بالدين قبل غرامته، لم يكن له المطالبة به قبل طلبه منه، وفيه وجه آخر: أن له المطالبة لأنه شغل ذمته بإذنه فكانت له المطالبة بتفريغها ... والأول أولى(56) .
يتضح من هذه النصوص أن أخذ البنوك الغطاء في خطابات الضمان له أصل في الفقه الإسلامي، والذي ظهر لي من هذه النصوص أنه لا خلاف بين الفقهاء في جواز الغطاء إذا كان باتفاق الطرفين الضامن والمضمون، عند العقد، وهذا هو الحاصل في إصدار البنوك لخطابات الضمان.