والخلاف الحاصل بين الفقهاء هو مطالبة الضامن المضمون بالمبلغ المضمون - الغطاء - بعد العقد، وإلزام المضمون بدفعه، فقد منعه أكثرهم وأجازه الحنابلة في وجه، والمنع أولى عندي، وهذا لا يحدث في معاملة البنوك.
ويتضح أيضًا من هذه النصوص أن المضمون إذا دفع المال المضمون - الغطاء - إلى الضامن إما أن يدفعه له على وجه القضاء، أو يدفعه على وجه الرسالة، أو التوكيل، فإن دفعه على وجه القضاء ملكه الضامن عند الحنفية، وليس للمضمون أن يسترده منه، ويجوز للضامن أن يتصرف فيه بالاستثمار وغيره، وله ربحه، وإذا هلك المال ضمنه، أما إذا دفع المضمون المال للضامن على وجه الرسالة، أو الوكالة، فإن المال يكون أمانة في يد الضامن، ولكن ليس للمضمون أن يسترده من الضامن لأنه تعلّق به حتى المضمون له، ولا يجوز للضامن التصرف فيه، وإذا هلك يهلك هلاك الأمانة، وإذا استثمره فربح لا يطيب له الربح.
والذي ينبغي أن يحمل عليه دفع العميل الغطاء للبنك في حالة إصدار خطاب الضمان، هو الدفع على وجهة القضاء، لأن البنوك تستثمر الغطاءات، وتربح منها، فلو حملنا الدفع على الرسالة، أو الوكالة، ما جاز لها التصرف في الغطاء.
وهذا الحكم يكشف لنا عن أمر هام بالنسبة لتكييف خطاب الضمان وأنه كفالة (ضمان) فقط في حالة الخطاب المغطى، والخطاب غير المغطى، وهذا التكييف مخالف لما تقرر في كثير من الفتاوى والمؤتمرات السابقة (57) ، من أنّ خطاب الضمان المغطى هو كفالة ووكالة معًا، كفالة بالنسبة لعلاقة البنك مع المستفيد ووكالة بالنسبة لعلاقة البنك مع العميل.
هذا ويكن الأخذ بهذا التكييف إذا كان البنك يأخذ الغطاء على وجه الوكالة شريطة أن يتقيد بأحكام الوكالة، ومنها عدم التصرف في الغطاء إلا فيما أخذ منه أجله، وهذا يمنع البنك من استثماره، الأمر الذي لا يرغب فيه البنك، ولهذا ترجح عندي تكييف خطاب الضمان المغطى وغير المغطى على أنه كفالة فقط - ضمان اسمًا ومعنى - كما ذكرت في أول حديثي عن التكييف.
دفع حجة المخالف في اعتبار خطاب الضمان كفالة:
ومع هذا الوضوح في تكييف خطاب الضمان على أنه كفالة فقد وجدنا من ينازع في هذه الحقيقة، وينفي أن يكون خطاب الضمان كفالة بمفهومها الفقهي محتجًا بالآتي:
1 -الكفالة عقد تابع، والتزام ملحق بالأصل، وأما خطاب الضمان المصرفي فإنه عقد مستقل، والتزام البنك فيه منفصل عن التزام طالب الخطاب.
2 -الكفالة عقد قائم على التبرع ابتداءً والمعاوضة انتهاءً. إذا كانت بناء على طلب المكفول، وهذا بخلاف الحال في خطاب الضمان حيث أنّ نية التبرع ليست قائمة لا في الحال ولا في المآل.
3 -الكفالة تعطي الكفيل حق الخيار في أن يقوم بعمل المكفول أو بدفع المبلغ المطلوب وهذا بخلاف الحال في خطاب الضمان المصرفي، حيث لا يملك البنك مثل هذا الخيار.
ويذهب صاحب هذا الرأي على أن الضمان أقرب للوكالة بأداء مبلغ معيّن من النقود عند تحقيق شرط المطالبة (58) .