الصفحة 9 من 12

وقال بأن الجنة والنار تفنيان, لأن ثبات البقاء الدائم لنعيم الآخرة وعذابها فيه مشاركة لله في اتصافه وحده بصفة البقاء والأزلية

من أين جاء الجهم بهذا الكلام ؟

كان هذا الرجل لسنا مجادلا ، مجبولا على الاعتراض والمراء ، وكان هذا الرجل لا يجلس إلى العلماء ، ولا يعرف بعلم ولا عبادة بل قيل أنه لم يحج البيت قط ، وكان يجلس إلى أهل الفلسفة والجدل ، اتصل ذات يوم بطائفة من الزنادقة الهنود ، يقال لهم:"السمنية"وراح جهم يجادلهم وهو صفر من العلم معتمدا فقط على عقله .

وابتدؤوا الكلام معه بالسؤال عن مصدر المعرفة ( و هي أكبر قضية فلسفية على الإطلاق ، وأصل كل بحث و نظر ) و كانت فلسفتهم تقوم على أن المصدر للمعرفة هو الحواس الخمس

ونحن نقول أن المصدر اليقيني في المعرفة هو الوحي ، وصدق الخبر نستدل عليه بصدق المخبر إن كتابا وإن سنة ، ونقول أن الحواس لا تدرك الأشياء على حقيقتها أحيانا بل غالبا ، فللعين مدى في الرؤيا لا تتجاوزه ، وللأذن مدى في السمع لا تتجاوزه ... وهكذا .

والعلم التجريبي نظريات يكذب بعضها بعضا ، فنظريات اليوم تعدل أو تكذب نظريات الأمس ، في الكمياء وفي الصيدلة وفي الطب وفي الفلك ... الخ .

فالمصدر الوحيد المتيقن للمعرفة هو الوحي .

ولما كان الجهم جاهلا سلم لهم بأصلهم الفاسد هذا ، فسألوه سؤالا آخر مبنيا على هذا الأصل ، وهو صف لنا ربك يا جهم ؟ بأي حاسة أدركته من الحواس ، أرأيته أم لمسته - أم سمعته ... الخ ؟!

و سقط في يد هذا الضال المسكين ، وطلب منهم مهلة ليفكر في الأمر ، ولم يستطع أن يستلهم حجة ، و لم يسأل العلماء فيداووه ويلقنوه .

و قادته الحيرة إلى الشك في دينه ، فترك الصلاة مدة ، ثم استغرق في التفكير و التأمل ، حتى انقدح في ذهنه جوابا خرج به عليهم قائلا:"هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شئ و لا يخلو من شئ .!!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت