وهذا الجواب الذي هو أساس نفي الصفات ، ومن يبحث يجد أن نفي الصفات هو من قول طائفة من زنادقة الهند .
ثم دخل الجهم في قضية أخرى كان الجدال محتدما حولها وهي قضية الإيمان ، واعتمادا على عقله أخذ يفكر ثم خرج بما قاله في الإيمان ، وهو أن الإيمان المعرفة فقط بالقلب ، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن ، دونما حاجة إلى قول باللسان ولا عمل بالجوارح .
ومن يطالع في سيرة هذا الرجل وواقع عصره ، يعلم أنه أتى بهذا القول من كلام المتفلسفة من الزنادقة ، الذين لا يعدو الإيمان عندهم مجرد الإقرار النظري بوجود الله ، ومن كلام المرجئة الفقهاء الذين أصروا على نفي دخول الأعمال في الإيمان .
ثم خطا جهم خطوة أسوء من هذا كله ، وهي أنه تعصب لمذهبه هذا وأخذ يبحث في الشاذ والغريب من أقول العلماء ، ولوازم الأقوال ليثبت مذهبه .
فهاتان خطوتان:
الأولى: التكلم عن جهل ، أو أن يعتقد الرجل أن العلم كله عنده فحين يسأل يجيب بما عنده وهو قليل ولا يراجع أهل العلم ، أو يعتمد على عقلة وينشأ أقيسه مغلوطة .
الخطوة: الثانية وهي التعصب لهذا الرأي المنبثق أساسا من الجهل . ويذهب صاحبة للنصوص الشرعية ليحملها على القول بهذا الباطل .
وما أجمل ما قال الشاطبي - رحمه الله - وهو يفرق بين صاحب الحق وصاحب الهوى ، يقول أن صاحب الحق يذهب إلى النصوص الشرعية ينظر ماذا تقول ثم يمتثل ، أما صحاب الهوى فهو يذهب إلى النصوص الشرعية ليأتي بها على هواه .
أو بكلمات أخر . أن أصحاب البدع يعتقدون ثم يستدلون . كما يقول الشيخ بن عثيمين رحمه الله .
فعلى كل من يتصدر لأي قضية من قضايا الدين أن لا يقول على الله بغير علم ، وأن يرجع إلى الشرع موقنا بأن الشرع كامل ، وأن لا يرجع إلى عقله ولا إلى العرف ، ولا غير ذلك ذلك لأن للشرع خصوصية في المفاهيم والتصورات .