الصفحة 52 من 148

ومن قال: إن ذلك بواسطة قياس شمول ينعقد في النفس، وهو أن هذا لو كان اتفاقيًا لما كان أكثريًا، فقد قال الباطل؛ فإن الناس العالمين بما جربوه لا يخطر بقلوبهم هذا، ولكن بمجرد علمهم بالتماثل يبادرون إلى التسوية في الحكم؛ لأن نفس العلم بالتماثل يوجب ذلك بالبديهة العقلية، فكما علم بالبديهة العقلية أن الواحد نصف الاثنين، علم بها أن حكم الشيء / حكم مثله، وأن الواحد مثل الواحد، كما علم أن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية.

فالتماثل والاختلاف في الصفة أو القدر قد يعلم بالإحساس الباطن والظاهر، والعلم بأن المثلين سواء، وأن الأكثر والأكبر أعظم وأرجح، يعلم ببديهة العقل.

وكذلك القياس المؤلف من قضايا معينة، مثل العلم بأن زيدًا أخو عمرو، وعمرو أخو بكر، فزيد أخو بكر. ومثل العلم بأن أبا بكر أفضل من عمر، وعمر أفضل من عثمان وعلي، فأبو بكر أفضل من عثمان وعلي. وأن المدينة أفضل من بيت المقدس والمدينة لا يجب أن يحج إليها، فبيت المقدس لا يحج إليه. وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل القبور، ولا يشرع استلامه ولا تقبيله، فقبر فلان وفلان وفلان لا يشرع استلامه ولا تقبيله، وأمثال هذه الأقيسة ملء العالم. وهذا أبلغ في إفادة حكم المعين من ذكر العام. فدلالة الاسم الخاص على المعين أبلغ من الدلالة عليه بالاسم العام، وإن كان في العام أمور أخرى ليست في الخاص.

فتبين أن المعلوم من الأمور المعينة يعلم بالحس وبقياس التمثيل والأقيسة المعينة أعظم مما يعلم أعيانها بقياس الشمول، فإذا كان قياس الشمول ـ الذي حرروه ـ لا يفيد الأمور الكلية، كما تقدم، ولا تحتاج إليه الأمور المعينة، / كما تبين، لم يبق فيه فائدة أصلًا، ولم يحتج إليه في علم كلي، ولا علم معين، بل صار كلامهم في القياس الذي حرروه كالكلام في الحدود، وهذا هذا، فتدبره فإنه عظيم القدر.

الوجه الثالث:

أن يقال: إذا كان لابد في القياس من قضية كلية والحس لا يدرك الكليات، وإنما تدرك بالعقل. ولا يجوز أن تكون معلومة بقياس آخر، لما يلزم من الدور أو التسلسل، فلابد من قضايا كلية تعقل بلا قياس، كالبديهيات التي جعلوها.

فنقول: إذ وجب الاعترف بأن من العلوم الكلية العقلية ما يبتدئ في النفوس ويبدهها بلا قياس، وجب الجزم بأن العلوم الكلية العقلية قد تستغني عن القياس، وهذا مما اعترفوا به هم وجميع بني آدم؛ أن من التصور والتصديق ما هو بديهي لا يحتاج إلى كسب بالحد والقياس، وإلا لزم الدور أو التسلسل.

وإذا كان كذلك، فنقول: إذا جاز هذا في علم كلي، جاز في آخر؛ إذ ليس بين ما يمكن أن يعلم ابتداء من العلوم البديهية وما لا يجوز أن يعلم / فصل يطرد، بل هذا يختلف باختلاف قوة العقل وصفائه، وكثرة إدراك الجزئيات التي تعلم بواسطتها الأمور الكلية، فما من علم من الكليات إلا وعلمه يمكن بدون القياس المنطقي، فلا يجوز الحكم بتوقف شيء من العلوم الكلية عليه، وهذا يتبين بـ:

الوجه الرابع:

وهو أن نقول: هب أن صورة القياس المنطقي ومادته تفيد علومًا كلية، لكن من أين يعلم أن العلم الكلي لا ينال حتى يقول هؤلاء المتكلفون القافون ما ليس لهم به علم، هم ومن قلدهم من أهل الملل وعلمائهم: إن ما ليس ببديهي من التصورات والتصديقات لا يعلم إلا بالحد والقياس، وعدم العلم ليس علما بالعدم. فالقائل لذلك لم يمتحن أحوال نفسه، ولو امتحن أحوال نفسه لوجد له علومًا كلية بدون القياس المنطقي، وتصورات كثيرة بدون الحد. وإن علم ذلك من نفسه أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت