بني جنسه، فمن أين له أن جميع بني آدم- مع تفاوت فطرهم وعلومهم ومواهب الحق لهم - هم بمنزلته، وأن الله لا يمنح أحدًا علمًا إلا بقياس منطقي ينعقد في نفسه، حتى يزعم هؤلاء أن الأنبياء كانوا كذلك، بل صعدوا إلى رب العالمين، وزعموا أن علمه بأمور خلقه إنما هو بواسطة القياس المنطقي. وليس معهم بهذا النفي الذي لم يحيطوا بعلمه من حجة إلا عدم / العلم، فيدعون العلم، وقد تكلموا بهذه القضية الكلية السالبة التي تعم ما لا يحصى عدده إلا الله بلا علم لهم بها أصلا. ويزيد هذا بيانا:
الوجه الخامس:
وهو أن المبادئ المذكورة التي جعلوها مفيدة لليقين ـ وهي الحسيات الباطنة والظاهرة، والبديهيات والتجريبيات والحدسيات ـ لا ريب أنها تفيد اليقين الحسي، فمن أين لهم أن اليقين لا يحصل بغيرها؟ لابد من دليل على النفي، حتى يصح قولهم: لا يحصل اليقين بدونها.
فهذا صحيح، لكنه ليس هو قول رؤوسهم.
ولا ريب أن من له عقل وإيمان، يجب أن يخالفهم في تكذيبهم بالحق الخارج عن هذا الطريق.
ومن هذا الموضع صار منافقًا وتزندق من نافق منهم، وصار عند عقلاء الناس من أهل الملل وغيرهم أن المنطق مظنة التكذيب بالحق والعناد والزندقة والنفاق، حتى حكى لنا بعض الناس: أن شخصًا من الأعاجم جاء ليقرأ على بعض شيوخهم منطقًا، فقرأ منه قطعة، ثم قال: حواجًا، أي باب ترك الصلاة؟ فضحكوا منه.
/وهذا موجود بالاستقراء أن من حسن الظن بالمنطق وأهله إن لم يكن له مادة من دين وعقل يستفيد بها الحق الذي ينتفع به، وإلا فسد عقله ودينه.
ولهذا يوجد فيهم من الكفر والنفاق والجهل والضلال وفساد الأقوال والأفعال ما هو ظاهر لكل ناظر من الرجال؛ ولهذا كان أول من خلطه بأصول الفقه ونحوه من العلوم الإسلامية كثير الاضطراب.
فإنه كان كثير من فضلاء المسلمين وعلمائهم يقولون: المنطق كالحساب ونحوه، مما لا يعلم به صحة الإسلام ولا فساده ولا ثبوته ولا انتفاؤه.
فهذا كلام من رأى ظاهره وما فيه من الكلام على الأمور المفردة لفظًا ومعنى، ثم على تأليف المفردات، وهو القضايا ونقيضها وعكسها المستوي وعكس النقيض، ثم على تأليفها بالحد والقياس، وعلى مواد القياس، وإلا فالتحقيق: أنه مشتمل على أمور فاسدة، ودعاوي باطلة كثيرة، لا يتسع هذا الموضع لاستقصائها والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله محمد، الداعي إلى الهدى والرشاد، وعلى آله ومن اتبع هداه.
فَصْل
الأمر والنهي، الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء، والصلاة قائمًا والصوم، وغير ذلك على من يعجز عنه.
سواء قيل: يجوز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز، فإنه لا خلاف أن تكليف العاجز الذي لا قدرة له على الفعل بحال غير واقع في / الشريعة، بل قد تسقط الشريعة التكليف عمن لم تكمل فيه أداة العلم، والقدرة تخفيفًا عنه، وضبطًا لمناط التكليف، وإن كان تكليفه ممكنًا، كما رفع القلم عن