فتدبر هذا، فإنه من أسرار عظائم العلوم التي يظهر لك به ما يجل عن الوصف من الفرق بين الطريقة الفطرية العقلية السمعية الشرعية الإيمانية، وبين الطريقة القياسية المنطقية الكلامية.
وقد تبين لك بإجماعهم وبالعقل أن القياس المنطقي لا يفيد إلا بواسطة قضية، وتبين لك أن القضايا التي هي عندهم مواد البرهان وأصوله ليس فيها قضية كلية للأمور الموجودة، وليس فيها ما تعلم به القضية الكلية إلا العقل المجرد الذي يعقل المقدرات الذهنية، وإذا لم يكن في أصول برهانهم علم بقضية عامة للأمور الموجودة لم يكن في ذلك علم.
/وليس فيما ذكرناه ما يمكن النزاع فيه إلا القضايا البديهية، فإن فيها عمومًا، وقد يظن أنه به تعلم الأمور الخارجة، فيفرض أنها تفيد العلوم الكلية، لكن بقية المبادئ ليس فيها علم كلي.
فكان الواجب ألا يجعل مقدمة البرهان إلا القضايا العقلية البديهية المحضة؛ إذ هي الكلية. وأما بقية القضايا فهي جزئية، فكيف يصلح أن تجعل من مقدمات البرهان؟ إلا أن يقال: تعلم بها أمور جزئية وبالعقل أمور كلية، فبمجموعهما يتم البرهان، كما يعلم بالحس أن مع هذا ألف درهم ومع هذا ألفان، ويعلم بالعقل أن الاثنين أكثر من الواحد، فيعلم أن مال هذا أكثر.
فيقال: هذا صحيح، لكن هذا إنما يفيد قضية جزئية معينة، وهو كون مال هذا أكثر من مال هذا. والأمور الجزئية المعينة لا تحتاج في معرفتها إلى قياس، بل قد تعلم بلا قياس، وتعلم بقياس التمثيل، وتعلم بالقياس عن جزئيتين، فإنك تعلم بالحس أن هذا مثل هذا، وتعلم أن هذا من نعته كيت وكيت، فتعلم أن الآخر مثله، وتعلم أن حكم الشيء حكم مثله. وكذلك قد يعلم أن زيدًا أكبر من عمرو، وعمرًا أكبر من خالد، وأمثال هذه الأمور المعينة التي تعلم بدون قياس الشمول الذي اشترطوا فيه ما اشترطوا.
/فقد تبين أن هذا القياس العقلي المنطقي ـ الذي وضعوه وحددوه ـ لا يعلم بمجرده شيء من العلوم الكلية الثابتة في الخارج، فبطل قولهم: إنه ميزان العلوم الكلية البرهانية، ولكن يعلم به أمور معينة شخصية جزئية، وتلك تعلم بغيره أجود مما تعلم به. وهذا هو:
الوجه الثاني:
فنقول: أما الأمور الموجودة المحققة فتعلم بالحس الباطن والظاهر، وتعلم بالقياس التمثيلي، وتعلم بالقياس الذي ليس فيه قضية كلية ولا شمول ولا عموم بل تكون الحدود الثلاثة فيه ـ الأصغر والأوسط والأكبر ـ أعيانًا جزئية، والمقدمتان والنتيجة قضايا جزئية. وعلم هذه الأمور المعينة بهذه الطرق أصح وأوضح وأكمل؛ فإن من رأى بعينه زيدًا في مكان وعمرًا في مكان آخر، استغنى عن أن يستدل على ذلك بكون الجسم الواحد لا يكون في مكانين، وكذلك من وزن دراهم كل منها ألف درهم، استغنى عن أن يستدل على ألف درهم منها بأنها مساوية للصنجة، وهي شيء واحد، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، وأمثال ذلك كثير؛ ولهذا يسمى هؤلاء [أهل كلام] أي لم يفيدوا علمًا لم يكن معروفًا، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد، وهو ما ضربوه من القياس؛ لإيضاح ما علم بالحس، وإن كان هذا / القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر، ومع من ينكر الحس، كما سنذكره ـ إن شاء الله.
وكذلك إذا علم الإنسان أن هذا الدينار مثل هذا، وهذا الدرهم مثل هذا، وأن هذه الحنطة والشعير مثل هذا، ثم علم شيئًا من صفات أحدهما وأحكامه الطبيعية، مثل الاغتذاء والانتفاع، أو العادية مثل القيمة والسعر، أو الشرعية مثل الحل والحرمة ـ علم أن حكم الآخر مثله.
فأقيسة التمثيل تفيد اليقين بلا ريب، أعظم من أقيسة الشمول، ولا يحتاج مع العلم بالتماثل إلى أن يضرب لهما قياس شمول، بل يكون من زيادة الفضول.
وبهذا الطريق عرفت القضايا الجزئية بقياس التمثيل.