الرجال لظن أن الولدان غير داخلين؛ لأنهم ليسوا من أهله وهم ضعفاء، فذكرهم بالاسم الخاص ليبين عذرهم في ترك الهجرة ووجوب الجهاد، وكذلك الإيمان له مبدأ وكمال، وظاهر وباطن، فإذا علقت به الأحكام الدنيوية من الحقوق والحدود كحقن الدم والمال والمواريث، والعقوبات الدنيوية، علقت بظاهره لا يمكن غير ذلك، إذ تعليق ذلك بالباطن متعذر، وإن قدر أحيانًا فهو متعسر علما وقدرة، فلا يعلم ذلك علمًا يثبت به في الظاهر، ولا يمكن عقوبة من يعلم ذلك منه في الباطن.
وبهذين المثلين كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع من عقوبة المنافقين، فإن فيهم من لم يكن يعرفهم كما أخبر الله بذلك، والذين كان يعرفهم لو عاقب بعضهم لغضب له قومه، ولقال الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه، فكان يحصل بسبب ذلك/نفور عن الإسلام، إذ لم يكن الذنب ظاهرًا، يشترك الناس في معرفته، ولما هم بعقوبة من يتخلف عن الصلاة، منعه من في البيوت من النساء والذرية، وأما مبدؤه فيتعلق به خطاب الأمر والنهي، فإذا قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائد: 6] ونحو ذلك، فهو أمر في الظاهر لكل من أظهره، وهو خطاب في الباطن لكل من عرف من نفسه أنه مصدق للرسول، وإن كان عاصيًا، وإن كان لم يقم بالواجبات الباطنة، والظاهرة، وذلك أنه إن كان لفظ: {الَّذِينَ آمَنُوا} يتناولهم فلا كلام، وإن كان لم يتناولهم فذاك لذنوبهم، فلا تكون ذنوبهم مانعة من أمرهم بالحسنات التي إن فعلوها كانت سبب رحمتهم، وإن تركوها كان أمرهم بها، وعقوبتهم عليها عقوبة على ترك الإيمان، والكافر يجب عليه أيضًا، لكن لا يصح منه حتى يؤمن، وكذلك المنافق المحض لا يصح منه في الباطن حتى يؤمن.
وأما من كان معه أول الإيمان، فهذا يصح منه؛ لأن معه إقراره في الباطن بوجوب ما أوجبه الرسول، وتحريم ما حرمه، وهذا سبب الصحة، وأما كماله فيتعلق به خطاب الوعد بالجنة والنصرة والسلامة من النار، فإن هذا الوعد إنما هو لمن فعل المأمور وترك المحظور، ومن فعل بعضا وترك بعضًا، فيثاب على ما فعله، ويعاقب على ما تركه، فلا يدخل هذا في اسم المؤمن المستحق للحمد والثناء، دون الذم والعقاب، ومن نفى عنه الرسول الإيمان، فنفى الإيمان في هذا الحكم؛ لأنه ذكر ذلك على سبيل الوعيد. والوعيد إنما يكون بنفي ما يقتضي الثواب، ويدفع العقاب؛ ولهذا ما في الكتاب والسنة من نفي الإيمان/ عن أصحاب الذنوب، فإنما هو في خطاب الوعيد والذم، لا في خطاب الأمر والنهي، ولا في أحكام الدنيا. واسم الإسلام والإيمان والإحسان هي أسماء ممدوحة مرغوب فيها لحسن العاقبة لأهلها، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العاقبة الحسنة لمن اتصف بها على الوجه الذي بينه ولهذا كان من نفى عنهم الإيمان أو الإيمان والإسلام جميعًا ولم يجعلهم كفارا، إنما نفى ذلك في أحكام الآخرة، وهو الثواب، لم ينفه في أحكام الدنيا، لكن المعتزلة ظنت أنه إذا انتفى الاسم انتفت جميع أجزائه، فلم يجعلوا معهم شيئًا من الإيمان والإسلام، فجعلوهم مخلدين في النار، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، ولو لم يكن معهم شيء من الإيمان والإسلام، لم يثبت في حقهم شيء من أحكام المؤمنين والمسلمين، لكن كانوا كالمنافقين، وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع التفريق بين المنافق الذي يكذب الرسول في الباطن، وبين المؤمن المذنب، فالمعتزلة سووا بين أهل الذنوب وبين المنافقين في أحكام الدنيا والآخرة في نفي الإسلام والإيمان عنهم، بل قد يثبتونه للمنافق ظاهرًا، وينفونه عن المذنب باطنًا وظاهرًا.
فإن قيل: فإذا كان كل مؤمن مسلمًا، وليس كل مسلم مؤمنًا ـ الإيمان الكامل ـ كما دل عليه حديث جبريل وغيره من الأحاديث مع القرآن، وكما ذكر ذلك عمن ذكر عنه من السلف؛ لأن الإسلام الطاعات الظاهرة، وهو الاستسلام والانقياد؛ لأن الإسلام في الأصل هو الاستسلام والانقياد،/