الصفحة 43 من 148

يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ. فالخطاب لمن كان في الظاهر مسلمًا مؤمنًا وليس مؤمنًا، بأن منكم من هو بهذه الصفة، وليس مؤمنًا بل أحبط الله عمله، فهو منكم في الظاهر لا الباطن.

ولهذا لما استؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل بعض المنافقين قال: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) ؛ فإنهم من أصحابه في الظاهر عند من لا يعرف حقائق الأمور، وأصحابه الذين هم أصحابه ليس فيهم نفاق/ كالذين علموا سنته الناس وبلغوها إليهم وقاتلوا المرتدين بعد موته، والذين بايعوه تحت الشجرة وأهل بدر وغيرهم، بل الذين كانوا منافقين غمرتهم الناس.

وكذلك الأنساب، مثل كون الإنسان أبًا لآخر أو أخاه، يثبت في بعض الأحكام دون بعض، فإنه قد ثبت في الصحيحين أنه لما اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وعبد ابن زَمْعَة بن الأسود، في ابن وليدة زمعة، وكان عتبة بن أبي وقاص قد فجر بها في الجاهلية وولدت منه ولدًا، فقال عتبة لأخيه سعد: إذا قدمت مكة فانظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني، فاختصم فيه هو وعبد بن زمعة إلى النبي صلىلله عليه وسلم فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي عتبة عهد إلىَّ أخي عتبة فيه إذا قدمت مكة انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه ابني، ألا ترى يا رسول الله شبهه بعتبة؟ فقال عبد: يا رسول الله، أخي وابن وليدة أبي؛ ولد على فراش أبي، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم شبهًا بينًا بعتبة فقال: (هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة) لما رأى من شبهه البين بعتبة.

فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم ابن زمعة لأنه ولد على فراشه، وجعله أخًا لولده بقوله: (فهو لك يا عبد بن زمعة) ، وقد صارت سودة أخته يرثها وترثه؛ لأنه ابن أبيها زمعة ولد على فراشه، ومع هذا فأمرها النبي/ صلى الله عليه وسلم أن تحتجب منه لما رأى من شبهه البين بعتبة، فإنه قام فيه دليلان متعارضان: الفراش والشبه، والنسب في الظاهر لصاحب الفراش أقوى، ولأنها أمر ظاهر مباح والفجور أمر باطن لا يعلم ويجب ستره لا إظهاره، كما قال: (للعاهر الحجر) كما يقال: بِفيِكَ الكَثْكَث وبفيك الأثْلَب، أي: عليك أن تسكت عن إظهار الفجور، فإن الله يبغض ذلك، ولما كان احتجابها منه ممكنًا من غير ضرر، أمَرها بالاحتجاب لما ظهر من الدلالة على أنه ليس أخاها في الباطن.

فتبين أن الاسم الواحد ينفى في حكم ويثبت في حكم، فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية، وكذلك ولد الزنا عند بعض العلماء، وابن الملاعنة عند الجميع إلا من شذ، ليس بولد في الميراث ونحوه، وهو ولد في تحريم النكاح والمحرمية.

ولفظ النكاح وغيره في الأمر، يتناول الكامل، وهو العقد والوطء كما في قوله: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} [النساء: 3] ، وقوله: {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] ، وفي النهي يعم الناقص والكامل، فينهى عن العقد مفردًا وإن لم يكن وطء كقوله: {وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء} [النساء: 22] ؛وهذا لأن الآمر مقصوده تحصيل المصلحة، وتحصيل المصلحة إنما يكون بالدخول كما لو قال: اشتر لي طعامًا، فالمقصود ما يحصل إلا بالشراء والقبض، والناهي مقصوده دفع المفسدة، فيدخل كل جزء منه؛ لأن وجوده مفسدة/ وكذلك النسب والميراث معلق بالكامل منه، والتحريم معلق بأدنى سبب حتى الرضاع.

وكذلك كل ما يكون له مبتدأ وكمال، ينفى تارة باعتبار انتفاء كماله، ويثبت تارة باعتبار ثبوت مبدئه، فلفظ الرجال يعم الذكور وإن كانوا صغارًا في مثل قوله: {وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 176] ، ولا يعم الصغار في مثل قوله: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النساء: 75] ، فإن باب الهجرة والجهاد عمل يعمله القادرون عليه، فلو اقتصر على ذكر المستضعفين من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت