الصفحة 45 من 148

وهذا هو الانقياد والطاعة، والإيمان فيه معنى التصديق والطمأنينة، وهذا قدر زائد، فما تقولون فيمن فعل ما أمره الله وترك ما نهى الله عنه مخلصًا لله ـ تعالى ظاهرًا وباطنًا؟ أليس هذا مسلمًا باطنًا وظاهرًا، وهو من أهل الجنة، وإذا كان كذلك فالجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، فهذا يجب أن يكون مؤمنًا.

قلنا: قد ذكرنا غير مرة، أنه لابد أن يكون معه الإيمان الذي وجب عليه. إذ لو لم يؤد الواجب لكان معرضًا للوعيد، لكن قد يكون من الإيمان ما لا يجب عليه إما لكونه لم يخاطب به، أو لكونه كان عاجزًا عنه، وهذا أولى؛ لأن الإيمان الموصوف في حديث جبريل والإسلام، لم يكونا واجبين في أول الإسلام، بل ولا أوجبا على من تقدم قبلنا من الأمم اتباع الأنبياء أهل الجنة، مع أنهم مؤمنون مسلمون، ومع أن الإسلام دين الله الذي لا يقبل دينًا غيره، وهو دين الله في الأولين والآخرين، لأن الإسلام عبادة الله وحده لا شريك له بما أمر فقد تتنوع أوامره في الشريعة الواحدة، فضلًا عن الشرائع، فيصير في الإسلام بعض الإيمان بما يخرج عنه في وقت آخر، كالصلاة إلى الصخرة، كان من الإسلام حين كان الله أمر به، ثم خرج من الإسلام لما نهى الله عنه.

ومعلوم أن الخمس المذكورة في حديث جبريل، لم تجب في أول الأمر، بل الصيام والحج وفرائض الزكاة، إنما وجبت بالمدينة، والصلوات الخمس إنما/ وجبت ليلة المعراج، وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه إلى سنة تسع أو عشرعلى أصح القولين، ولما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم كان من اتبعه وآمن بما جاء به مؤمنًا مسلمًا، وإذا مات كان من أهل الجنة ثم إنه بعد هذا زاد [الإيمان، والإسلام] حتى قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، وكذلك الإيمان، فإن هذا الإيمان المفصل الذي ذكره في حديث جبريل، لم يكن مأمورًا به في أول الأمر لما أنزل الله سورة العلق والمدثر، بل إنما جاء هذا في السور المدنية، كالبقرة، والنساء، وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون هذا الإيمان المفصل واجبًا، على من تقدم قبلنا.

وإذا كان كذلك، فقد يكون الرجل مسلمًا يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ومعه الإيمان الذي فرض عليه، وهو من أهل الجنة وليس معه هذا الإيمان المذكور في حديث جبريل، لكن هذا يقال: معه ما أمر به من الإيمان والإسلام، وقد يكون مسلمًا يعبد الله كما أمر، ولا يعبد غيره ويخافه، ويرجوه، ولكن لم يخلص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من جميع أهله وماله، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يخاف الله لا يخاف غيره، وألا يتوكل إلا على الله، وهذه كلها من الإيمان الواجب، وليست من لوازم الإسلام، فإن الإسلام هو الاستسلام وهو يتضمن الخضوع لله وحده، والانقياد له، والعبودية لله وحده، وهذا قد يتضمن خوفه ورجاءه، وأما طمأنينة القلب بمحبته وحده، وأن يكون أحب إليه مما سواهما، وبالتوكل عليه وحده، وبأن يحب لأخيه المؤمن ما يحب/ لنفسه، فهذه من حقائق الإيمان التي تختص به، فمن لم يتصف بها، لم يكن من المؤمنين حقًا وإن كان مسلمًا، وكذلك وجل قلبه إذا ذكر الله، وكذلك زيادة الإيمان إذا تليت عليه آياته.

فإن قيل: ففوات هذا الإيمان من الذنوب أم لا؟ قيل: إذا لم يبلغ الإنسان الخطاب الموجب لذلك، لا يكون تركه من الذنوب، وأما إن بلغه الخطاب الموجب لذلك فلم يعمل به كان تركه من الذنوب إذا كان قادرًا على ذلك، وكثير من الناس أو أكثرهم ليس عندهم هذه التفاصيل التي تدخل في الإيمان، مع أنهم قادمون بالطاعة الواجبة في الإسلام، وإذا وقعت منهم ذنوب تابوا واستغفروا منها، وحقائق الإيمان التي في القلوب لا يعرفون وجوبها، بل ولا أنها من الإيمان بل كثير ممن يعرفها منهم، يظن أنها من النوافل المستحبة إن صدق بوجوبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت