الصفحة 19 من 323

الثاني: أنّ المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم، وعلى قدر عقولهم وأذهانهم، وكان من قوم موسى وعيسى عليهما السلام بلادةٌ وغباوةٌ؛ لأنّه لم ينقل عنهم ما يدرون به من كلام مستحسنٍ، أو يستفاد من معنى مبتكرٍ، وقالوا لنبيهم حين مرّوا بقوم يعكفون على أصنامٍ لهم: (( اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) ) [الأعراف:138] ، فخُصُّوا من الإعجاز بما يصلون إليه ببداية حواسهم، والعرب أصح النَّاس أفهامًا، وأحدهم أذهانًا؛ قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها، ومن المعاني أغربها، ومن الآداب أحسنها؛ فخُصُّوا من معجزة القرآن بما تجول فيه أفهامهم، وتصل إليه أذهانهم؛ فيدركوه بالفطنة دون البديهة، وبالرّوية دون المبادرة؛ لتكون كل أمَّة مخصوصة بما يشاكل طبعها، ويوافق فهمها.

الثالث: أنّ معجزة القرآن أبقى على الأعصار، وأنشر في الأقطار من معجزة يختص بحاضره ويندرس بانقراض عصره، وما دام إعجازه أحج؛ فهو بالاختصاص أحق) (1) .

فما ذكره الماوردي رحمه الله كلام سديد، لكنّ معجزة القرآن أوسع نطاقًا من الفصاحة والبلاغة؛ لأنَّ رسالته صلى الله عليه وسلم عامة للثقلين، إلى قيام الساعة.

اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بتعهد الله تعالى بحفظ الكتاب المنزل عليه:

(1) الماوردي: أعلام النبوة، ص (57-58) ، وانظر بداية السول في تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم للعز بن عبد السلام ص (39) ، وانظر علامات النبوة لأحمد بن أبي بكر البوصيري، ص (185) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت