الصفحة 18 من 323

وفي هذا يقول الماوردي (1) رحمه الله: (والقرآن أوّل معجز دعا به محمد صلى الله عليه وسلم إلى نبوته، فصدع(2) فيه برسالته، وخُصّ بإعجازه من جميع رسله، وإن كان كلامًا ملفوظًا وقولًا محفوظًا، لثلاثة أسباب صار بهنَّ من أخصِّ إعجازه، وأظهر آياته:

أحدها: أنّ معجز كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره، والشائع المنتشر من ناس دهره؛ لأنَّ موسى عليه السلام حين بُعث في عصر السحرة خُصَّ من فلق البحر (3) يبسًا، وقلب العصا حية، ما بهر كلَّ ساحرٍ، وأذلَّ كلَّ كافرٍ، وبُعث عيسى عليه السلام في عصر الطّب، فخُصَّ من إبراء الزمنى (4) ، وإحياء الموتى ما أدهش كلَّ طبيبٍ، وأذهل كلَّ لبيبٍ، ولمّا بُعث محمّد صلى الله عليه وسلم في عصر الفصاحة، والبلاغة، خُصَّ بالقرآن في إيجازه، وإعجازه بما عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء، وتبلّد فيه الشعراء؛ ليكون العجز فيه أقهر، والتقصير فيه أظهر.

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي، شيخ الشافعية، صاحب الحاوي الكبير والتصانيف الكثيرة في الأصول والفروع والتفسير والأحكام السلطانية وأدب الدنيا والدين، ت. سنة 455هـ. انظر طبقات الشافعية للسبكي (5/267) ، والبداية والنهاية لابن كثير (11/85) .

(2) الصاع: الشق، أي شقَّ جماعتهم بكلمة التوحيد، انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي، ص (951) .

(3) أي شقه، انظر القاموس المحيط ص (1186) .

(4) أصحاب العاهات المستديمة. انظر: القاموس المحيط ص (1553) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت