فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 10

جعفر: هل يمكن لي أن أحجز تذكرة إلى السودان ؟

عامل المكتب: السودان ؟ في هذا الوقت ؟

جعفر: في الحقيقة , نعم , هل هذا ممكن ؟

عامل المكتب: أخي , لقد منعت السلطات الأردنية سفر المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين و الخامسة و الأربعين إلى السودان إلا بإذن من المخابرات العامة , وهذا نص التعميم .. فهلا احضرت لنا مثل هذه الموافقة ؟ حتى لا تحرجنا أو نحرجك ..

جعفر: لماذا هذا الإجراء ؟

عامل المكتب: لا أدري , الظروف هناك متشابكة ..

علم جعفر أن هذه توصيات أمريكية , و أن أي شاب يتوجه إلى المخابرات لأخذ تصريح سفر معرض للإعتقال ,

قرر جعفر عدم الذهاب , حتى لا"يؤسر"أو"توضع في ملفه علامات استفهام"

و عاد إلى حياته"العادية"

مضى 35 سنة ,

توفيت"أم المثنى"قبل عشرة سنوات بمرض القلب ,

توفى الشيخ"أبو محمود"قبل 8 سنوات بمرض سرطان الكبد ...

المهندس"محمد خير"توفي هو الآخر قبل عامين بعد صراع طويل مع ورم دماغي , ولقد كان عضوا في البرلمان عن حزب جبهة العمل الإسلامي لدورتين متتابعتين قبل أن يرحل ..

مثنى هاجر إلى أستراليا , وهو يعمل هناك في مجال الحاسوب ,

خالد , طبيب بارع , متزوج من فتاة حسناء , ويقيم بجوار والده"جعفر"في مجمع سكني فاخر.

أما جعفر , فلقد ناهز عمره السبعين , متقاعد منذ 5 سنوات , يعاني من هبوط في عضلة القلب , مما يسبب"ودمة رئوية"بين الحين و الآخر يصحبها ضيق في التنفس ,

كانت زوجة ابنه"خالد"تقوم على رعايته , لكنها لم تكن تخفي تذمرها منه , و كان يشعر أنها تتمنى رحيله....

لكن ما باليد حيلة ,

لم يعد"جعفر"يجد من يبتسم له , أو يجلس لسماعه ..

فأبناء جيله رحلوا , أو على وشك الرحيل ,

لقد كان كهلا , ثقيلا , بطيئ الحركة , ضعيف الإبصار و السمع ..

في ليلة لا قمر فيها ,

بينما كان خالد في مناوبة ليلية في المستشفى ,

دقت زوجة خالد باب غرفة جعفر بطريقة مستفزة ..

جعفر: تفضلي يا ابنتي ..

زوجة خالد: عمي عذرا , سأذهب إلى زيارة أهلي اليوم , أخبرت خالدا فأذن لي , لن اتأخر ...

جعفر: حسنا ..لا بأس , فقط احضري لي دوائي ... فبعد ساعة يأتي موعده ...و مفتاح الصيدلية"لديك"..

زوجة خالد: الآن انا مستعجلة يا عمي , لن اتأخر , عندما أعود أخرجه من الصيدلية و اعطيك دواءك , لن أتاخر ..ساعة وأكون هنا ..

جعفر: كما تشائي ,

زوجة خالد: هل تريد شيئا قبل خروجي ؟

جعفر: أقفلي الأنوار , لوسمحتي ..

أقفلت زوجة خالد الأنوار , و تمتمت بكلمات تذمر , و أغلقت الباب بعنف ,

لم يكن جعفر يحب أن يفسد العلاقة بين خالد و زوجته"الحسناء"التي شغفته حبا , فآثر دوما السكوت و الإحتساب ...

نظر إلى الظلام الدامس من حوله ,

"ها أنت يا جعفر , في فراشك , أسير بلا قيد ,"

ها أنت يا جعفر , عشت حتى بلغت السبعين ...مرت كطرفة عين ..

هل شبعت من الحياة ؟ لا يهم شبعت ام لم تشبع , فلقد اوشك الرحيل ,

يا جعفر , أين الأحبة ؟

أين الخلان ؟

أين أم المثنى ؟

أين الشيخ"ابو محمود"؟

أين"محمد خير"؟

أين حبيبتي"جهاد"؟

أين"زمن الهوان"؟

هنا , انفجر الرجل الكهل"جعفر"بالبكاء , و بدأ يردد تلك الأنشودة التي أحبها ...

يا حواري الخلود ..

أين أنت يا"خذوني للجهاد": انتظرت ان يأخذوك فلم يأتي احد ليأخذك ,إلا ملك الموت على فراش القعود ..

أليوم أقول وداعا يا حواري الخلود ...

أليوم أموت على فراشي ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت