هل ينتظر الصباح ؟
وبينما كان جعفر يبحر في محيط الافكار المتضاربة , إذ تلقى هاتفا عاجلا من زوجته ,
أم جهاد: جعفر عد إلى الأردن فورا , جهاد مريضة و لقد نقلناها إلى المستشفى ...
جعفر: ماذا ؟ ماذا حل بها ؟ قولي هيا ...
أم جهاد: لقد ارتفعت حرارتها و تشجنت , و الأطباء يقولون أنها تعاني من إلتهاب السحايا , و هي في غرفة العناية المركزة ...تعال في أسرع وقت ممكن.
لم ينتظر جعفر الصباح , بل استقل سيارة أجرة تنقله من بغداد إلى عمان , و في اليوم التالي كان جعفر في عمان , بعد أن اعتذر لمدير الشركة عن إكمال المهمة ,
ذهب فورا إلى المستشفى ليجد جهادا في العناية المركزة موصولة بجهاز التنفس الإصطناعي , تألم كثيرا , و لم يستطع فعل شيئ سوى الدعاء لها ,
بعد أسبوع من مصارعة المرض , توفيت"جهاد جعفر", و انهار الأب الحزين ,
"يا ابنتي جهاد , لقد سميتك جهادا حتى لا أنسى حب الجهاد , فلم رحلتي ؟"
لم متي يا جهاد ؟
لقد عدت من العراق من أجلك , و تركن معشوقتي الجهاد من أجلكي ,
فلم زهدتي بي ؟و تركتيني وحيدا ...
لاحول ولاقوة إلا بالله
لاحول ولا قوة إلا بالله ...""
ثم عانق جسدها الصغير , و بقي يقبله , و هو لا يدري , هل يبكيها أم يبكي معشوقته"الجهاد"التي تركها في بغداد .
مرت أكثر من 5 سنوات على الحادثة , ولمع نجم جعفر في شركته حتى أصبح نائب المدير ,
رزقه الله طفلين , سمى الأول: مثنى و الثاني: خالدا ...
بدت الحياة جميلة , مستقرة , وعناصر السعادة مكتملة , إلا أن جعفر لم ينس تماما معشوقته"الجهاد"
لكنه أصبح يخجل من ذكرها أمام الناس , لكي لا يتهمونه (باللاواقعية و التهور ) ..
لكنه بقي يذكرها , بل ويحبها ...
كان يشعر أن سعادته هذه ليست إلا سرابا يحسبه الظمآن ماءا ,
كان يتجرؤ كثيرا على من حوله و يتهمهم بحب الدنيا , و الإنجراف وراء لذاتها , و الإنبطاح تحت أقدام الطواغيت , وأن الحل لا يكمن إلا بالجهاد في سبيل الله ... لكن دون أن يجرؤ أن يقول لأحد:
أريد الذهاب إلى الجهاد...أو"خذوني للجهاد"..
كان جعفر يتابع الأوضاع السياسية عن كثب , و يكثر من الدعاء للمجاهدين , لكن مرور الأيام أبعده قليلا عن الإلتزام بواجباته نحو ربه , فما عاد يلتزم بالصلاة في المسجد ,
لم يكن ينتبه كثيرا لتربية أطفاله تربية جهادية ,
وكأنه دخل في مرحلة فتور ...
بدأت الأوضاع في السودان بالإنهيار , إنقلاب فاشل على حكومة عمر البشير يؤدي إلى انهيار النظام السوداني , و نصارى السودان تكالبوا على مسلميه بدعم كبير من دول الجوار ,
بدأت صور المذابح التي يقوم بها الصليبيون تعرض في الفضائيات , و أهل السودان يصرخون:
أغيثونا
أعينونا
تأثر جعفر كثيرا بما يشاهد , و تبرع مرة بمبلغ 200 دينار لمجاهدي السودان , ودبت الحركة من جديد في معشوقة جعفر النائمة"الجهاد"
"كنت أعلم أنها لم تمت , كنت أعلم أن معشوقتي ستناديني يوما"
لكن جعفر اليوم ليس كما كان طالبا , و ليس كما كان قبل 5 سنوات ,
اليوم هو نائب لمدير شركة مهمة تعمل في مجال التبريد ,
لقد كان شيطانه أجرأ على تثبيطه هذه المرة:
"يا جعفر , أنت صاحب مال , جاهد بمالك , هل تريد أن تترك منصبك و راتبك و تذهب ؟ و من قال لك أنك ستموت شهيدا ؟ قد تعود معاقا ؟ قد تعود لتلقى في السجون .."
من سيسدد أقساط منزلك ؟ من سيرعى مثنى و خالد و أمهما ؟""
لقد كان طنين الشيطان يؤذي جعفر , و يشوش عليه أفكاره ,
حاول جعفر أن يجمع قواه:
"لقد كنت على وشك الإلتحاق بالمجاهدين يوم مرضت جهاد , و قد عدت بسببها , فماذا استفادت من عودتي ؟"
سأذهب إلى السودان للجهاد في سبيل الله
و لن التفت ورائي""
قرر جعفر سحب مبلغ كبير من رصيده , للإلتحاق بركب المجاهدين و لنجدت إخوته ,
قدم طلب إجازته السنوية إلى شركته ,
و اخبر أهله أنه ذاهب لعقد عمل مهم في إحدى البلدان العربية ,
توجه نحو مكتب سياحة وسفر ليحجز تذكرة سفر إلى السودان المستباحة,
كانت خطواته تمضي على إستحياء , و انفاسه مشحونة بالقلق , دخل إلى المكتب: