فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 79

أما تلك فهي مشاعر وأحاسيس وردود فعل وسلوك وقناعات داخلية ومبادئ متوارثة، وبالتالي لا يمكن لأي قوة أن تغير من واقعها، ولا لأي قانون أو سلطة أن يضبط شذوذها. لقد كان تدمير العالم بكامله ثم إعادة بنائه، أو تغيير خريطته الجغرافية والاقتصادية، أسهل بكثير من إقناع مخادع كي يكف عن الخداع أو ظالم أن ينزع الظلم من قلبه. لكن اصراري ومقدرتي كانا أقوى من أن يتراجعا أمام عقبات كهذه، مهما كانت صعبة العبور.

بدأت بدائرتي الصغرى، بالمجتمع المحدود الذي فُرض علي أن أكون أحد أفراده ـ مجتمع المصح ـ هؤلاء الأصدقاء البسطاء الطيبين، المعجبين إلى درجة الذهول والانبهار بقوتي وأفكاري وإنجازاتي. كانت كل فكرة أقولها لهم تصبح قانونًا، وكل رأي أطرحه أمامهم يتحول إلى مبدأ يسيرون على نهجه. ولكن، حتى هذه القوانين والمبادئ التي وصلت إلى أعماق قلوبهم ظلت في حيز الاقتناع النظري. فالاقتناع النظري شيء والتطبيق العملي شيء آخر. كانوا مثل مدمن التدخين الذي يعرف باقتناع كلي أضرار التدخين وأهمية الامتناع عنه، لكنه أضعف من أن يبدأ الخطوة الأولى في طريق التخلي عن ممارسته، وبدء مرحلة حياتية جديدة موفورة الصحة. لكنني مع ذلك تمكنت من التأثير (والانتقال إلى التطبيق العملي) على عدد من زملائي أو تلامذتي كما كانوا يدعون أنفسهم، مما زاد من غبطتي ونشوتي وثقتي بمقدرتي الفريدة من نوعها. وعندما صدر قرار من إدارة المصح يتضمن أن بإمكاني مغادرته لتأكدهم من زوال أي آثار للاضطراب العصبي في سلوكي، كنت قد نجحت في تحويل عدد كبير من نزلاء المصح إلى أتباع لي، مؤمنين بأفكاري وناشرين لمبادئي ومدافعين عن نظرياتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت