كانت عودتي إلى مرسمي مفعمة بالإثارة والنشوة. كنت كمن يعود إلى بيته بعد سفر طويل مليء بالمشقة والإحساس بالغربة. وعلى الرغم من أن الأشهر الستة التي أمضيتها في المصح كانت مصدر بهجة وسعادة لي، إلا أنها تظل قصيرة بالنسبة للسنوات الستين التي أمضيتها خارجه، ومتعتها العابرة لا تقارن بتراكمات السنين المليئة بمزيج متداخل من المعاناة والسعادة والشقاء والسرور والعذاب واللذة. كانت إقامتي في المصح مثل سفر إنسان من موطنه المتخلف البائس إلى منتجع فائق السحر والروعة والرقي، يشعر بمتعة الإقامة فيه، وتملأ قلبه ووجدانه نشوة مذهلة جديدة على مشاعره وأحاسيسه، لكن أعماقه تظل مرتبطة بموطنه، برباط أسطوري المتانة لا يمكن لأي قوة أن توهنه أو تؤثر عليه. ومع ذلك فالعودة تفتح صفحة جديدة من المشاعر والأحاسيس كانت مجهولة من قبل. فثمة رباط جديد يبرز إلى الوجود يشد العائد إلى ذلك المنتجع بشوق تصعب مقاومته، ويدفعه إلى الحنين والتفكير الملحاح المتواصل بالعودة ثانية للاستمتاع بسحره وروعته. وتتولد آنذاك قوتان متعاكستان متصارعتان: قوة الارتباط والتعلق بالموطن الأصلي بما فيه من عاطفة وذكريات متأصلة متراكمة على مدى السنين، وقوة الانبهار والتطلع للتجديد والتطوير والانفتاح على عوالم لم تكن معروفة من قبل، لكن هاتين القوتين تظلان متساويتين مع تساوي دوافعهما، ويظل الإنسان بالتالي تحت تأثير صراعهما المتوازن، لا يقوى على مفارقة موطنه، ولا يستطيع أن ينتزع من قلبه الرغبة في السفر والاغتراب ثانية.