بعد شهرين من عودتي إلى المرسم كنت قد استنفدت ما تراكم لدي من شوق ولهفة للاعتزال والانزواء بين جدرانه، وفي الوقت نفسه كانت أحلام يقظتي قد أصبحت خبزي اليومي، وأصبحت مَلَكة متعمقة الجذور داخل كياني إلى حد لا أستطيع معه التخلي ساعة واحدة عنها. وبدأت أشعر بمتعة السير على غير هدى في شوارع المدينة، أراقب الناس في حركتهم اليومية، وأجعلهم مادة لأحلامي، أُسيّرهم وأُحرّكهم كما أهوى، وأُطبّق عليهم أنظمتي وقوانيني وأفكاري. وفي لحظات متباعدة كان يقطع تسلسل أحلامي هدير سيارة مسرعة، أو ارتطام شخص ذاهل بي، لكنني كنت أعود فورًا لأصل ما انقطع، من غير أن أسمح لأمور عابرة بتشويش مخططاتي الإصلاحية الهامة. ومع ذلك كان احتكاكي بالسلوك الأخلاقي للناس مبعث قلق وإرهاق عصبي شديدين لي، على الرغم من أن هذا السلوك هو نفسه الذي كنت أعايشه، وأتعايش معه إلى حد ما قبل دخولي المصح، والناس هم نفسهم الذين كنت أواجههم وأتفاعل معهم. لكن الأمور بدت وكأنها قد تغيرت بطريقة ما الآن. كنت كمن ينظر إلى الأمور بمنظار مكبر ومقرب، كان الناس يبدون الآن وكأنهم أمام أنفي مباشرة وملتصقين بي إلى درجة مرعبة، وأصبح سلوكهم كأنه موجه إلي بالذات كي أعاني منه وحدي وأتأذى من نتائجه. وبدأت أشعر أنني هدف مقصود لعبث الناس وظلمهم واضطهادهم. ولعل هذا كان مبعثه إحساسهم بالنقص أمام قدراتي المميزة، وغيرتهم مني وحسدهم لي بسبب تفوقي العقلي ورؤيتي البعيدة. ووصل الجهل بهم إلى درجة أنهم كانوا يسخرون من إنجازاتي المتواصلة حين يتفق أن أتحدث عنها أمامهم، كما أصبحوا يتندرون بأفكاري الإصلاحية ويتناولونها في جلساتهم بأقصى درجة من السطحية وانعدام الرؤية والبصيرة. وأخيرًا لم يكن أمامي سوى العودة إلى الانزواء والعزلة في مرسمي، فهو صومعتي المحصنة المنيعة التي لا يستطيع أحد اختراقها وإزعاجي فيها.