خلال شهرين آخرين كنت قد بدأت برسم أكثر من عشرة لوحات، كل واحدة منها موضوع لأحد أحلامي. لكن الأحلام كانت بعيدة التطلعات واسعة المدى إلى حد عجزت معه موهبتي الفنية الفائقة عن تصويرها، فظلت اللوحات في خطوط تأسيسها الأولى، وتوقفت موقتًا عن إتمامها. ومع مرور الأيام شعرت بأن ثمة قوى خفية تحاول إفشالي وعرقلة إنجازاتي. ولم تعد صومعتي المنيعة مكانًا آمنًا لي، بل أصبحت هدفًا لزيارات مشبوهة من أعدائي، الذين لم يُرضهم ابتعادي عن سخريتهم وعبثهم، فلحقوا بي إلى مرسمي ليواصلوا تندرهم ومزاحهم وجهلهم. وبلغت القسوة لديهم حدًا رهيبًا كانوا معه يتفننون في البحث عما يسبب لي المزيد من الاضطراب والقلق ليمعنوا في ارتكابه، ويستمتعوا في مراقبة آثاره. وكانت أقصى درجات وحشيتهم تلك المجلات والصحف الملفقة التي راحوا يحضرونها لي ليكذبوا ما رويت لهم من إنجازاتي. كانوا يريدون إقناعي بأن نيويورك ما زالت حية تنطح السحاب، وأن المجاعة في الهند تزداد ضراوة، وأن المناطق الجافة في إفريقية تتشقق عطشًا يومًا بعد يوم، وأن التجارب النووية فاقت في حجمها حدود العقل، وأن الصراعات التي تتنامى في أنحاء العالم كافة لا تزال لعبة الدول العظمى التي لا يمكن أن تتخلى عنها أبدًا. كان همهم الوحيد أن يبرهنوا لي بالأدلة والوثائق أن العالم أبعد ما يكون عن الطمأنينة والاستقرار والرفاهية والعدل. وزاد هذا من اضطرابي وتشتت ذهني، فقد كنت أستمد من الأحلام غلافًا زاهيًا أغطي به الواقع الكئيب المحيط بي، وكنت أعتصر من خيالاتي بضع قطرات حلوة أمزجها مع الحقيقة المرهقة لأخفف من مرارة مذاقها. كانت أحلامي وخيالاتي ملجأ أتقي به فوضى العالم واضطهاده، وأُجابه به عجز قادة البشرية عن التصرف بما تقتضيه مناصبهم من حكمة وإنسانية وعدل، وأحقق عن طريقها ما لا يستطيعون (أو لا يريدون) تحقيقه من أمن وسعادة للبشر...