فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 79

وكانت أقسى درجات الظلم والاضطهاد التي يمكن أن يمارسها أعدائي هي أن يحرّموا علي حتى متعة اللجوء إلى أحلامي. وعندما حاولت منعهم من دخول مرسمي، أخذوا يتعرضون لي في أحلامي، كي يخربوا ما أحاول بناءه، ويعطلوا ما أريد إنجازه. وفقدت بالتدريج مقدرتي الفذة على التركيز، وتحولت أحلامي وخيالاتي إلى صورة مشوشة مضطربة ممتلئة بمزيج من المحاولات الفاشلة والنظرات الساخرة.

كان اتخاذ القرار صعبًا وقاسيًا للغاية. لكنه كان الحل الوحيد لما أعاني. كان العملية الجراحية التي تحمل (على الرغم من خطورتها) الأمل الأخير لإنقاذ حياتي. ولم أفكر كثيرًا، فالتفكير الطويل يزيد من احتمال التردد، وقد يسبب التراجع في اللحظة الأخيرة. وكانت ليلة تفكير واحدة كافية، ومع إطلالة الشمس كنت أستقل سيارة أجرة، متجهًا إلى حيث قررت تمضية ما تبقى من حياتي، إلى الجزيرة الوحيدة التي يمكن أن أعيش فيها بأمان وسعادة واستقرار مع أحلامي وخيالاتي، مع أفكاري وإنجازاتي، مع أصدقائي وتلامذتي وأتباعي البسطاء الطيبين.

ذو الوجه المستطيل

كان الأمر الغريب الوحيد الذي رأيته في حلمي تلك الليلة، هو ذلك الرجل النحيل بوجهه المستطيل، الذي يشبه في استطالته وجوه لوحات مودلياني. لم يكن الحلم مزعجًا كثيرًا بحد ذاته، لكن الابتسامة الحادة التي ارتسمت على الوجه المستطيل، بشاربيه الرفيعين الطويلين المتهدلين، أثارت لدي كثيرًا من الاستغراب والنفور والتوجس. فقد احتوت ابتسامته مزيجًا من التربص والسخرية واللؤم. كان واضحًا أن ابتسامته تلك مسددة نحوي وحدي، أما بقية الحاضرين فلم يبد مكترثًا بهم، أو شاعرًا بوجودهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت