فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 79

استيقظت صباح اليوم التالي، وقد نسيت أحداث الحلم كلها، باستثناء صورة صاحب الابتسامة، التي ظلت ملتصقة بذاكرتي. كان وجهه المستطيل، وشارباه الرفيعان الطويلان المتهدلان، وابتسامته الحادة المتربصة الساخرة اللئيمة تلوح في مخيلتي بوضوح يمكنني من رسم صورة الوجه بأدق تفاصيله.

حاولت أن أضحك من نفسي، وأنا أرتدي ثيابي، كي أمسح ما خلّفته تلك الصورة في قلبي من إحساس بالقلق. وخرجت الضحكة من شفتي مهزولة جافة مفتعلة، بينما ظل قلبي منقبضًا قلقًا مترقبًا.

خلال المسافة التي تفصل منزلي عن مكان عملي تعمدت أن أركز نظري، وعقلي من ورائه، في وجوه الناس الذين يتتابعون أمامي، لعل صورة وجوههم تتراكم في طبقة ثخينة داخل ذاكرتي، وتخفي صورة الوجه المستطيل، لكن صورة تلك الوجوه كانت تدخل مخيلتي، وفي لحظة تفقد ملامحها، وتتحول إلى رقاقة شفافة، تزيد في وضوح الوجه المستطيل، بشاربيه المتهدلين، وابتسامته الحادة.

دخلت المصعد مع الداخلين، وانزويت في ركنه، مثبتًا عيني على الأرقام الضوئية بجانب الباب، بانتظار وصولي إلى الطابق العاشر حيث مكان عملي. عند الطابق الثالث شعرت بقوة خفية غامضة تحول نظري عن أرقام المصعد نحو رجل واقف بجانبي. وتضاعفت دقات قلبي، وهبطت ارتجافة باردة منه إلى ركبتي. كان ذلك رجل الحلم نفسه، صاحب الوجه المستطيل، ذا الشاربين الرفيعين الطويلين المتهدلين، وعلى شفتيه ارتسمت نفس تلك الابتسامة الحادة المتربصة الساخرة اللئيمة. كانت عيناه تحدقان في عيني، بتفحص مدقق ثابت.

توقف المصعد في الطابق السابع، وخرج منه ذو الوجه المستطيل. كانت مقدرتي على التفكير والمحاكمة قد تعطلت عن العمل، منذ الطابق الثالث. شعرت لدى خروجه بومضة من الارتياح، وتباطأت نبضات قلبي، وخفت رعشات ركبتي، لكنني عجزت عن استخدام عقلي، في محاولة لتبرير ما رأيت، أو تحليله، أو ربطه بالمنطق والواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت