فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 79

دخلت مكتبي وجلست إلى طاولتي، لكن تفكيري كان محلقًا بعيدًا عني، بين الطابقين الثالث والسابع داخل المصعد. كان قد انفصل عني في ذلك المكان، رافضًا الخروج معي في الطابق العاشر. فقد عودته منذ سنين على ربط الأمور بمعادلة صحيحة لا تحتمل الخطأ، والآن قد اختل توازن معادلته تلك، ولم يعد قادرًا على الالتحام معي قبل التوصل إلى حل يعيد إليه صفاءه واسترخاءه.

انقضت ساعات الدوام الرسمي بدون أن أنجز شيئًا من عملي. وخلال هبوطي داخل المصعد حاولت إجراء مصالحة شكلية موقتة مع تفكيري، وأقنعته بعد جهد بالانضمام إلى صفي كي نتعاون معًا لمواجهة هذا الدخيل الطارئ الذي تسلل بيننا.

تمكنت تدريجيًا من إعادة بعض الهدوء والارتياح إلى عقلي. لكن جسدي كان متعبًا، وقدمي في حالة من الإرهاق تمنعني من مواصلة السير إلى منزلي، وأشرت إلى سيارة أجرة عابرة، وصعدت بجانب السائق، وهمست إليه بعنوان المنزل، وعيناي شاردتان في زحام ساعة الظهيرة، وعقلي تتناوبه لحظات من الكبت ومحاولة التمرد والانفلات. توقفت السيارة أمام البناء الكبير الذي أسكن إحدى شققه، ومددت يدي بالنقود إلى السائق، لكنها جمدت وكاد قلبي أن يجمد معها، وأنا أنظر إلى السائق ذي الوجه المستطيل بشاربيه الرفيعين الطويلين المتهدلين، وابتسامته الحادة المتربصة الساخرة اللئيمة.

فتحت باب منزلي ودخلت. كنت بحاجة إلى الارتماء على أقرب مقعد، لأريح جسدي، وأحاول من خلاله إراحة ذهني المجهد. مضت ساعة أو أكثر، وأنا أفرض على جسدي استرخاء قسريًا، فيقاومني بالتوتر اللاإرادي. كان الأمر قد تعدى مرحلة الصدفة وبدأ يدخل طور الإنذار الجدي المبهم. نهضت ودخلت غرفة النوم كي أبدل ثيابي. فتحت باب الخزانة، ومددت يدي أعلق سترتي. كنت أتحرك تلقائيًا بالعادة والتكرار. ابتعدت عن الخزانة، واتجهت نحو السرير. ولحظة استلقائي داهمتني إغفاءة قصيرة متقطعة قلقة، أشبه بالغيبوبة أو الذهول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت