استيقظت من إغفاءتي منهك الجسد والعقل. وتذكرت أنني على موعد مع صديق في المساء. قررت الاعتذار منه، وارتديت ثيابي ونزلت إلى غرفة الهاتف العمومي القريبة. وقفت خارجها بانتظار انتهاء شاغلها. وبعد عشر دقائق انتهى الرجل من مكالمته، واستدار ليفتح الباب ويخرج. وغرق جسدي في سيول من العرق البارد. كان ذاك هو رجل الحلم نفسه، بوجهه المستطيل، وشاربيه الرفيعين الطويلين المتهدلين، وابتسامته الحادة المتربصة الساخرة اللئيمة.
لا أذكر إن كنت قد اتصلت هاتفيًا مع صديقي أم لا، لكنني أفقت من شرودي وأنا جالس من جديد في منزلي، أستعيد أحداث اليوم في ذاكرتي المجهدة. حاولت تغيير مسار أفكاري إلى اتجاهات مغايرة، لكنها ظلت تعود بقوة جاذبة تفوق قدرتي، وتحوم بإصرار عنيد حول محورها. وشعرت بأن الأمر قد انتقل إلى مرحلة التحدي بين إرادتي وأفكاري. وقررت استخدام وسيلة الإلهاء مع ذهني المتمرد، وفتحت التلفاز كي أقيّد بما أراه هذا التمرد. استرخيت في مقعدي، وثبتّ عيني على الشاشة الصغيرة لحظة قصيرة، انتفضت بعدها مندفعًا إلى الجهاز، فأطفأته، مبعدًا عن عيني صورة صاحب الوجه المستطيل، والشاربين الطويلين المتهدلين، وهو يخترق بابتسامته الحادة المتربصة الساخرة اللئيمة شاشة الجهاز، فينفذ إلى أعماق عيني، ويستقر متخبطًا في معدتي.
لم يمهلني الغثيان الذي زلزل معدتي، وجريت إلى الحمام أتدارك الأمر... بعد لحظات شعرت أنني هدأت قليلًا. فتحت الماء قويًا ووضعت رأسي تحت تياره المنهمر. لم أدرِ هل كنت أغسل رأسي أم ما بداخله. وعندما أحسست ببرودة الماء أغلقت الصنبور، وتناولت المنشفة ورحت أجفف شعري ووجهي. انتعشت قليلًا، وأقنعت نفسي بأنني أقوى من هذه الأوهام والرؤى. وتمكنت أخيرًا من السيطرة على ثورة أفكاري وتمردها.