ضاقت الغرف عن استيعاب القادمين، فراح الوافدون الجدد يقفون أمام باب المنزل، بانتظار أذان الظهر الذي اقترب موعده. لم يستطع الاستمرار في رحلته المتقطعة مع أفكاره، فقد اقتربت لحظة الوداع، وارتفعت الأصوات تدريجيًا... كانت في البداية خافتة، تلامس أذنيه بخفة لا تؤثر على استرساله في التفكير، لكنها تزايدت وارتفعت حتى تجاوزت أفكاره، لتخترق أذنيه في خليط مبهم غريب من الهمهمة الموسيقية، والعويل المفجوع، والترتيل الخاشع المنبعث من آلة التسجيل. وتسلل هاربًا خارج المنزل، لينزوي بهدوء في ركن متطرف قريب قليل الازدحام على رصيف الشارع. كان الحامل الخشبي قد وُضع قرب الباب بانتظار حمولته الجديدة. أحس بجفاف حلقه وانقباض قلبه يتزايدان وهو يتأمل زوايا الحامل المهترئة، وألواحه القديمة المتشققة. اخترقت مشاعره صورة الحامل مرتبطة بوظيفته التي تغلبت على شكله المجرد. تخيل لحظة أن الحامل طاولة قديمة للطعام، أو منضدة للكتابة، أو ربما منصة لعرض الفاكهة والخضار في السوق. وتسللت إلى قلبه لمسات من الشفقة والتعاطف، لم تتغلب على النفور، وهو يتصور الظلم الذي فرضه القدر على هذا الحامل العجوز، ليمضي حياته في هذه الوظيفة الكئيبة الكريهة، التي أضفت على شكله بعضًا من روحها وطابعها. وتساءل في نفسه، كم من الأحمال نقل هذا العجوز قبل اليوم، وكم سينقل... وقطع تأملاته رجلان رفعا الحامل ونقلاه داخل البيت.
6 ـ تداعيات أخرى خلال الانتظار