بعد قليل تباعد أغلب الناس عن السيارة، وتولى بعض الرجال من الأقرباء مهمة إنزال الصندوق الخشبي وإدخاله. توقفت الرعشة التي ملأت قلبه طوال الرحلة، وهو ينسل وراءهم داخل البيت. لقد أوصل الأمانة، وأنجز أصعب عمل قام به في حياته حتى ذلك اليوم، وأعاد أباه من مستشفى العاصمة، حيث أُجريت العملية الجراحية الفاشلة، إلى بيته في بلدتهم النائية. اختلطت في داخله مشاعر الحزن مع الإحساس بخيبة الأمل، وهو يلتقط نظرات الموجودين نحوه، واحتار في تفسير هذه النظرات، هل هي مشاركة مواسية، أم اتهام ضمني، أم مجرد عطف مشفق. أثقلت العيون انقباض قلبه، فتشاغل عنها بمراقبة الصندوق الجاثم الآن في وسط الغرفة، وتخيل منظر أبيه وهو ممدد داخله، وتمنى لو أنه أعاده في السيارة بجانبه، راكبًا عاديًا معافى.
4 ـ قليل من التداعيات بعد الوصول
لقد انهارت القلعة الراسخة في لحظة يا أبي. تحطمت فجأة قبل أن أجد الوقت الكافي لبناء بديلة عنها، انتهى كل شيء، بلا إنذار، وبدون استعداد. وأصبح على هذا الكائن المعزول المعقم أن يتنفس الهواء الطبيعي، ويتكيف مع الجو المحيط به، ويحارب بسلاحه الخاص بعد الآن. ولكن أين أسلحتي التي سأدافع بها عن استمراري.. وخلاله؟ لقد تركتها كلها في القلعة التي انهارت فجأة، ولم أستطع إنقاذها بعد أن غابت داخل الأنقاض. علي الآن أن أخترع أسلحتي الخاصة، وأختبرها بنفسي لأتأكد من فعاليتها وجدواها. آه يا أبي.. ليتك تركتني أصنع سلاحًا بيدي منذ البداية، سلاحًا خاصًا بي، يُخيّب ظني، فأقوم بتعديله... يخذلني، فأكتشف نقاط ضعفه... يقصر في أدائه، فأطوره. لكنك يا أبي صنعت سلاحًا قويًا، قدمته لي جاهزًا، وسمحت لي بمشاهدته ومعاينته، وأعطيتني الدروس النظرية المطولة عن كيفية استخدامه، لكنك لم تتح لي فرصة تجربته، أو اختباره عمليًا، ولو مرة واحدة.
5 ـ لحظات انتظار قبل الوداع