فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 79

كم هي نظيفة أفكارك يا أبي، وكم هي نقية وصاياك. لكن نظافة أفكارك، ونقاء وصاياك حرما عقلي من المناعة التي يحتاجها لحظة المواجهة. جعلتني أنشأ طوال عشرين سنة في غرفة العناية المشددة، التي تعمدت بناءها بنفسك، وتجهيزها بيدك وحدك، ثم بالغت في تعقيم معداتها، ومراقبة طهارة هوائها، والحذر من تسرب أي جرثومة داخلها. عشرون سنة، يا أبي، وأنا مغلف تمامًا بالشاش الأبيض، وأستلقي مقيدًا بإحكام داخل قفص زجاجي ثخين الجدران، من رعايتك وإشرافك. والآن، ها أنت يا أبي تطلقني فجأة، تمزق الشاش الأبيض، وتحطم جدران غرفة العناية المشددة، وتهشم ألواح القفص الزجاجي. ها أنت يا أبي تلغي مرغمًا، وخلال لحظة قصيرة، كل ما حرصت على مراقبته طوال عشرين سنة كاملة، وتوقف إجراءاتك الدقيقة، وتمزق الحبل السري الذي أوصلني برحمك، منذ انفصالي عن رحم أمي.

3 ـ الوصول

عندما وصلت السيارة في الصباح كان الأهل بانتظارهما، والبيت مشرعة أبوابه. ترجل من السيارة، وحاول تجنب عيون الجميع. لم يميز الوجوه، ولم ينظر إلى أحد. أحس بالموجودين جميعًا وكأنهم كتلة هلامية ضخمة متحولة الشكل، تمتد باستطالة من طرف، وتتقلص من طرف آخر. سمع أصواتهم ولم يصغ إليها. أحس برغبة ملحة في تحييد نفسه عن تلك الكتلة، لكنه كان متأكدًا من انتمائه القسري إليها. إنه استطالة، قصيرة ربما، لكنها عاجزة عن الانفصال بعيدًا عن الجسم المركزي.

ازداد الازدحام حول السيارة فجأة، وامتلأ الشارع بأشخاص لا يعرفهم، والشرفات بوجوه يغلفها الفضول أكثر من الحزن. اخترقت نظراته قلوبهم، ولاحظ لمسة خفيفة من الارتياح المبطن. فالأمر لا يعنيهم إلا في حدود المواساة المجاملة، ريثما ينتهي الوداع، أما الحزن المزمن، الذي يسكن القلب، ويصبح قطعة من نسيجه، فلا يعرفه إلا الخاسر الحقيقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت