فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 79

عند منتصف الليل كانت الإجراءات قد تمت بكل تفاصيلها، وأُحكم ربط الصندوق الخشبي الطويل فوق ظهر سيارة الأجرة، وانطلقت السيارة متثاقلة من مركز العاصمة، واتجهت نحو الطريق الخارجي المؤدي إلى بلدته. كان بوده أن يصعد إلى المقعد الخلفي، لعله يستلقي عليه ويستسلم لإغفاءة، تريح جسده بعد جهد الساعات الطويلة التي أمضاها منذ الصباح ، أو ربما يكتفي باسترخاءة قصيرة يحاول فيها أن يخفف من توتر أعصابه. لكنه صعد بصورة آلية إلى المقعد المجاور للسائق، تاركًا المقعد الخلفي الفارغ، وإغراء التمدد عليه.

ازداد ثقل الصمت بعد خروج السيارة من العاصمة. ولاحظ أن السائق قد حافظ على صمته، وصمت مذياع سيارته، احترامًا للموقف. وأحس بمشاعر الذنب تجاه السائق تتسلل إلى قلبه، وبدافع من الواجب يدفعه إلى محادثته، ليصرف ذهنه عن كآبة الرحلة الطويلة، وربما ليخفف عن نفسه هو وخزات الحزن التي غمرته. كانت العبارات تنطلق من الاثنين مترددة، ثم تنتهي باختصار مبتور محرج. بحث جاهدًا عن مواضيع عامة يستهل بها الحديث، لكن الجمل كانت تنكمش وتتقلص، حتى تتلاشى في إجابات مغمغمة قصيرة، لتضيع بعدها في الصمت الطويل الكئيب، الذي يرسخ كآبته الصوت الرتيب المنبعث من محرك السيارة المنطلقة، وضجيج الأفكار المشوشة التي يتزايد صخبها في رأسه. وبدأت أصابع يديه ترتعش قليلًا، فراح يفركها، لكن الرعشة امتدت تدريجيًا إلى كتفيه. تجاهل الرعشة أملًا بانقضائها، وخلال دقائق كانت قد سيطرت على قلبه ولسانه. أوهم نفسه بأن السبب هو ليل كانون الذي تخترق السيارة برده اللاسع، ربما كي يصرف ذهنه، وذهن السائق، عن الصندوق الخشبي الطويل، المثبت فوق السيارة، وجسد أبيه الممدد داخله.

2 ـ تداعيات خلال الرحلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت