بعد الانتهاء من زيارة القلعة صعد أفراد المجموعة السياحية إلى الحافلة، وأدار «أبو عبد اللّه» المحرك. كانت الطريق الهابطة بانحدار شديد تمتد أمامه مسافة تزيد عن ثلاثة كيلومترات، تمتلئ بالمنعطفات الحادة. وبشكل آليّ وضع السرعة الثانية وانطلق بحذر الواثق المتمرس. كان من الدروس الأولى التي تعلمها في القيادة أن يغير ذراع السرعة، خلال هبوط كل مقطع من الطريق، إلى نفس السرعة التي وضعها خلال صعوده. كان المنعطف الأول قريبًا، وبعده تنحدر الطريق نحو ثلاثمئة متر قبل المنعطف التالي. وهذا المقطع من الطريق هو أكثر المقاطع صعوبة وخطورة. فعلى يساره جدار صخري عمودي، وعلى يمينه الوادي العميق الممتلئ بأشجار الصنوبر والسرو.
أنهى «أبو عبد اللّه» التفاف المنعطف الأول ببراعة، وامتد أمامه الانحدار الطويل. وبدلًا من أن يحافظ على السرعة الثانية، بدّل برشاقة فائقة إلى الثالثة، فالرابعة، فالخامسة، فالسادسة، فالسابعة، ثم ضغط على دواسة الوقود حتى آخر مداها. كانت عيناه وأعصابه وعضلات ذراعيه في أقصى درجات توترها وتركيزها، كي يتمكن من المحافظة على المقود بالاتجاه الذي يريده تمامًا. وشاهد الطريق تتناقص أمامه بسرعة، والمنعطف يقترب ويقترب. واختلطت أمام عينيه صورة أخيه، مع مبنى السفارة، ولافتتها وعلمها. وفجأة شعر بمزيج غريب من النشوة والرهبة، بدأ من أسفل عموده الفقري، وامتد حتى عينيه. كان قد انسلخ عن الطريق، وانطلق يحلّق، هو، والحافلة، وحمولتها، وتداعياته، وذكرياته، وأحزانه، وقهره.
ومن تحته، على بعد عميق جدًا، كانت أشجار الصنوبر والسرو تمد أغصانها مثل أذرع مذعورة، أو متلهفة، أو ربما معانقة.
الولادة الثانية
1 ـ الرحلة