كان أفراد المجموعة السياحية يقفون أمام مدخل الفندق متلهفين لتنفيذ برنامج يومهم الأول. وخلال دقائق قليلة استقر كلّ منهم في مقعده، وانطلق «أبو عبد اللّه» ، بحافلته، وحمولتها، وعواطفه، وانفعالاته، وتداعياته، باتجاه الطريق الجبلية المؤدية إلى القلعة الأثرية. كانت الطريق معيارًا لمهارة السائقين، يتحدّى بعضهم بعضًا في القدرة على صعودها حتى مدخل القلعة الأثرية الكبيرة. كان الكثير من السائقين يصل إلى ما قبل المنعطف الحادّ الأخير، حيث يتوقف ويطلب من ركابه أن يتابعوا سيرًا على الأقدام، أما «أبو عبد اللّه» فقد كان يصرّ على المتابعة، ويعتبر ذلك مجالًا للتباهي بين زملائه. وكان في كل مرة يصعد القلعة بحافلته، يبتسم عند وصوله إلى المنعطف الأخير بثقة واعتزاز بالنفس، ممزوجين بشيء من الرهبة التي لم يستطع، بعد خمس وعشرين سنة، أن يتخلص منها.
7 ـ تداعيات حديثة جدًا
من لم يذق طعم القهر في حياته لا يستطيع وصفه. وقد تمر الكلمة أمامه نظرية مجردة حيادية، فلا تحرّك لديه أي فعل أو رد فعل. أما من مر بالتجربة، فإنه يحس بقلبه يتورّم ويتضخم ويضغط من الداخل، حتى يتسرب من حلقه وعينيه ومسام جسمه، فيشعر بأن كل خلية من جسده ترتجف، وتصرخ فيه، وتستحثه لفعل شيء ما، أي شيء. ومن يقدر قد يفعل، ومن لا يقدر ينكمش على نفسه، فيتقلص، ويتضاءل حتى يصبح أصغر من أصغر خلية صارخة.
هذا هو القهر اللاسع الحقيقي الذي أخذ ينزّ عبر عينيّ، ويسيل ممتدًّا إلى أعصابي، وأنا وراء مقود الحافلة، أتأمل بنظرات خاطفة سريعة، عبر المرآة أمامي، من سرقوا أرض بلدي، ورزقها، وتاريخها، وتراثها، وما تبقى من كرامتها.
8 ـ الهبوط من القلعة