فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 79

ومع أن العاملين في الفندق قد ألِفوا مع مرور الزمن سماع العديد من اللغات الغريبة عليهم، إلا أن ما كانوا يسمعونه غرز وقعًا كريهًا ومنفّرًا في آذانهم. وزاد من نفورهم أن وجوه القادمين، وأسماءهم وتصرفاتهم، كانت متناقضة مع الأرض التي يسكنونها، ومع بيئتها وعاداتها وطابعها. كانوا في كلّ تفاصيلهم خليطًا عجيبًا متنافرًا، له ألف هوية، على الرغم من انتمائهم ظاهريًا إلى هوية واحدة.

كان وصول السائحين في وقت متأخر من النهار، فاعتُبرت بقية اليوم استراحة لهم، على أن تبدأ جولاتهم في صباح اليوم التالي. وتضمن برنامج الرحلة أن ترسل الشركة السياحية المشرفة حافلة فخمة ومكيفة لتأمين تنقلاتهم. وفي الساعة السابعة والنصف صباحًا كانت الحافلة تقف عند مدخل الفندق، وخلف مقودها «أبو عبد اللّه» .

5 ـ تداعيات أقل قدمًا

العالم يجري بسرعة مجنونة. الناس يركضون بدون توقف، والأحداث تتابع بصورة لا تسمح بتأملها أو هضمها. لم أعد أستطيع فهم شيء. كنا نرفض مجرد ذكر ما يوحي باعتراف، ولو غير مباشر بهم، والآن نجتمع معهم، ونصافحهم، ونفاوضهم، ونتحمل مراوغتهم ومماطلاتهم، ونبتسم في وجوههم، ونقيم علاقات معهم، ونزورهم ويزوروننا.

مررت منذ بضعة أيام بجانب مقرّ سفارتهم في بلدي. رأيت اللافتة النحاسية، وعلم النجمة السداسية يتحديان التاريخ، والمنطق، والإحساس بالكرامة. وأدركت كيف تشعر المغتصبة المقهورة. وبحثت في ضباب عقلي المنهك عما تعلّمناه ونشأنا عليه منذ طفولتنا، وعن مظاهراتنا أيام الدراسة، وعن الخطب وقصائد الشعر الحماسية، وعن الرفض المبدئي المتأصل في قلوبنا وعقولنا، وعن رائحة دم أخي الشهيد ومن سبقه ومن لحقه، فلم أجد شيئًا.

6 ـ القلعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت