لا أعرف ما يجري لهذا العالم اليوم. الجميع فقدوا عقولهم، وضمائرهم، ومُثُلهم. يقول لي بعض أصدقائي: (يا أبا عبد اللّه، هذا منطق العصر، وعليك أن تساير التطور) . عجيب قولهم. هل لكلّ عصر منطق خاص به؟ هل تتغير القناعات مع تغير الزمن؟ هل يمكن أن أتعايش مع من كرهني وكرهته آلاف السنين؟ هل يمكن أن أصفح عمّن نهبني وأذلني وأفقرني وقتل أهلي؟ وأن أنسى كلّ ما يحيط بعلاقتي معه من ذكريات، وكوارث، وأحزان، وقهر، عشتها عمري كلَّه، ونشأتُ عليها منذ طفولتي؟ هل أستطيع أن أصادق، وأحب، وأتعامل مع من قتل أخي وآلافًا غيره بسلاحه؟ هل أستسلم إلى هذا كلّه، وأتقبّل نتائجه ببساطة وهدوء؟
كنا أيام الشباب نشير إلى عدوّنا بكلمة «اليهود» أو «الصهاينة» . وفي أحد الأيام دخلت في نقاش حادّ مع صديق لي، لأنه قال: (علينا أن نرضى بالتقسيم ونصالح «إسرائيل» ونقبل وجودها، فهي أمر واقع مفروض علينا، ولا يمكننا تغييره) . كان مجرّد النطق بكلمة «إسرائيل» كفرًا، يُحتقر قائلها، ويوصف بانعدام الشعور الوطني، فكيف بطرح فكرة الصلح. وتطوّر النقاش إلى شجار، ودفعني انفعالي إلى صفع صديقي. والتقيت ذلك الصديق بعد سنوات، وذكّرني بتلك الصفعة، وقال لي: ترى كم شخصًا ستصفع اليوم يا أبا عبد اللّه؟ وشعرت بأن صفعتي رُدَّت إلي.
4 ـ بداية الرحلة
كان الفندق في ذروة ازدحامه. فقد وصل أكثر من أربعين سائحًا وسائحة، لهم وضعهم المتميّز الذي لم يألفه أحد من قبل، وانتشروا بصخب طليق تدفّق من بهو الاستقبال إلى غرف النوم والممرات وصالات المطعم، حتى غمر الفندق كله. واستولى على مدير الفندق وموظّفيه مزيج من النفور والفضول والقلق، فعليهم جميعًا أن ينفذوا كلّ ما يُطلب منهم، بغضّ النظر عن عواطفهم ورغباتهم وقناعاتهم الشخصية.