فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 79

لم يكن «أبو عبد اللّه» رجل سياسة في حياته، ولم يحلم كالكثيرين باستلام منصب إداريّ كبير وهامّ. كان رجلًا بسيطًا، عاديًا، ينفعل ويتفاعل بصدق تلقائي مع أحداث بلده، وتنبع قناعاته، وردود أفعاله من حدسه الفطري وإحساسه العفوي. وكان أكبر حلم عاشه في سنواته الخمسين هو أن يؤمّن دخلًا نظيفًا يحفظ كرامته، ويسد الحد الأدنى من نفقاته الضرورية، واحتياجات زوجته وأولاده الأربعة. ومع أنه لم يتجاوز في دراسته المرحلة الإعدادية، إلا أنه عوّض ذلك النقص بقراءاته المتنوعة المستمرة، ثم باكتساب مهارة رائعة في قيادة السيارات الثقيلة وصيانتها، جعلته خلال خمسة وعشرين عامًا موضع حسد عدد كبير من زملائه. ولم يكن كثيرًا عليه أن يصبح أخيرًا سائق حافلة فخمة، في شركة سياحية كبيرة.

وحتى الآن لا يزال يستعيد، بحنين موجع، ذكرى السنوات التسع التي أمضاها في المدرسة، ويتحسر على كلّ تفاصيلها، ويكرر في كل مناسبة أحداثها، الحلوة والقاسية. وعندما يتسلل الحديث، في سهراته مع أصدقائه، إلى الأمور السياسية، كان يروي لهم، ربما للمرة المئة، كيف كان يقود المظاهرات في ذكرى وعد بلفور، وتقسيم فلسطين، وتأسيس الدولة العبرية، وغيرها، وكيف كان يدور مع زملائه على المدارس لتجميع الطلاب، والانطلاق بهم عبر شوارع المدينة، وهم يهتفون بأعلى أصواتهم، حتى يصلوا إلى ساحة المدينة، حيث يخرج من بينهم خطيب أو شاعر، يتجمعون حوله، ليصبّ كلماته الحماسيّة فوق انفعالهم الصاخب، فتلتهب الساحة بمزيج متداخل غريب من الهتاف والتصفيق.

3 ـ تداعيات قديمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت