مر يومان، ولم أكن قد رأيت حورية البحر بعد تحولي الأخير. كانت نشوة الفخر بقوتي التي لا تقاوم قد خدرت أي أحاسيس غيرها في داخلي. لكن تلك النشوة بدأت تتحول تدريجيًا إلى قناعة راسخة، ثم إلى أسلوب حياتي رتيب. وشعرت بالملل. وعندئذ تذكرت حورية البحر.. ورغبت في لقائها، لأزهو أمامها بقوتي وجبروتي. وفوجئت قليلًا بهذا التغيير الذي طرأ على عاطفتي. كنت في البداية أحمل مشاعر الحب العفوي، أما الآن فقد تحولت تلك المشاعر إلى محرض ذاتي يكمن في داخلي، تتنازعه الرغبة في استكمال ثقتي بنفسي، من خلال رؤية ردود الفعل في عيون الآخرين، والتباهي بالقوة التي لا تفوقها قوة، والنشوة التي يحركها كل ما زرعته من خوف في قلوب الكائنات البحرية كافة، والتحدي لمن يجرؤ على اعتراض طريقي.
وبحثت عن حورية البحر، ووجدتها أخيرًا. لكنني لم أجد في عينيها إشعاع حب، أو بريق لهفة.. حتى ولا نظرة انبهار بما أصبحت عليه من قوة. لكنني رأيت الخوف والترقب، والحذر، وربما الندم أيضًا .
عند لقائنا حاولت ألا أُظهر شراستي التي تطبعت بها. ورحت أبذل جهدًا كبيرًا لأبدو رقيقًا دمثًا مسالمًا. وتناسيت رغبتي في التباهي أمامها، والزهو بقوتي وجبروتي. وأمام نظراتها الخائفة المترقبة الحذرة، أحسست بجذوة عاطفتي الأولى تتقد من جديد. فقد وضعتني نظراتها تلك في مواجهة مفترق طريقين عليّ اختيار أحدهما: إما أن أحافظ على حوريتي أو أستمر بصورة الكائن البحري الأقوى. أوقعني هذا الاختيار في حيرة. فالمحافظة على حوريتي تعني أن أتخلى عن حياة القرش القوي المفترس، التي وجدت فيها نشوة لم أذقها من قبل، وعندما تذوقتها بات من العسير عليّ مفارقتها. أما الإبقاء على ما حققته في صورة الكائن البحري الأقوى فثمنه الذي لا بد علي من تسديده هو إلغاء أي عاطفة عفوية من حسابي والاكتفاء بمتعة الإحساس بسيطرتي على عالم البحر وما فيه.