فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 79

لم تكن صورتي الكريهة المخيفة، بعد أن أصبحت أخطبوطًا، مبعث إزعاج لي. فالتعويض مجزٍ، ونشوة الإحساس بالقوة كانت كافية لاسترجاع ثقتي بنفسي. وبدأت رحلتي أبحث تلقائيًا عن فريسة. كنت أشعر بالجوع يتنامى في أحشائي بعد ما كابدته في تجاربي الفاشلة السابقة. وأنساني الجوع للحظة حورية البحر.. وعندما تذكرتها استغربت قليلًا أن شعوري بالجوع يفوق شوقي إليها. لكنني تناسيت الأمر عندما رأيت سربًا من الأسماك الصغيرة يقترب من مخبئي. كنت قد عثرت على عرين مناسب داخل صخرة مدببة عميقة، وكمنت فيه بانتظار الصيد. وكان علي المبالغة في الحذر كي أتمكن من مباغتة فريستي، والانقضاض عليها، وإحاطتها بأذرعي الماصة، قبل أن تتنبه إلى الخطر القريب منها، فتنجو بحياتها. وتعلمت أن الليل أجدى لي من النهار لممارسة نشاطي المعيشي. فهو يسهّل وصولي إلى طرائدي الضعيفة من جهة، كما يمنحني الأمان الكافي من جهة أخرى. فقد كنت مع قوتي أخاف من المجهول، الذي قد يحمل لي لقاء مع كائن أقوى مني، تكون نهايتي بين فكيه. وصدقت مخاوفي، فبعد أيام قليلة حصل ما كنت أخشاه.. أو كاد أن يحصل. فعلى الرغم من شدة حذري تجرأت بدافع الجوع وغامرت بالخروج من مخبئي، أتلفّت حولي بحثًا عن طعام. وعثرت على سمكة شاردة، فغافلتها وهجمت عليها. وفجأة شعرت بألم يطعن إحدى أذرعي. واستدرت بجسمي المنتفخ وأنا أغص بالرعب لأجد سمكة ضخمة غريبة الشكل تهاجمني، وتطبق فكيها على تلك الذراع وتوشك أن تقتلعها. وبدأ الصراع بيننا. كان صراع حياة أو موت بالنسبة لي، ولا مزاح فيه. كنت أحاول القضاء على ذلك الوحش المرعب. لكنني بعد دقائق أدركت أن نجاتي منه هي أكبر غنيمة يمكن أن أفوز بها. وتمكنت قبل فوات الأوان من تخليص ذراعي الجريح والانطلاق بسرعة إلى مخبئي، وأنا أرتجف من الألم والخوف. وعندما هدأ انفعالي تملكني إحساس امتزجت فيه خيبة الأمل، وفرحة الانتصار..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت