فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 79

كانت البداية متواضعة جدًا، فمن المستحيل أن أبدأ تجربتي كبيرًا مرة واحدة، فهذا امتياز لا أملكه، ولا يستطيع الحصول عليه إلا عدد قليل جدًا ممن ولد في الأساس كائنًا بحريًا كبيرًا، وبالصورة التي كان عليها والداه، والتي رسماها له لحظة إنجابه. أما أنا، هذا الكائن الضعيف، الذي رضي أن يدخل التجربة في سبيل الوصول إلى الاختيار الصائب، فقد كُتب علي أن استهل تجربتي صغيرًا، ثم أرتقي سلم الاختيار درجة درجة. كما أن اختياري سيكون تجريبيًا لا مصيريًا، فالاختيار المصيري بعيد، ولا يزال الوقت مبكرًا جدًا للوصول إليه. وقررت أن أجرب أولًا حياة الكائنات البحرية الصغيرة.. وبعد تفكير قصير مركّز كانت البداية.. وأصبحت صَدَفة بحرية.

شعرت بالسعادة في ساعاتي الأولى. وكان مبعثها إحساسي بالأمان. فأنا في قوقعتي منعزل تمامًا عن عالم البحر الواسع المخيف، بعيد عن أخطاره، إذ اخترت لسكني فجوة ملائمة في صخرة عميقة، أما السبب الهام الآخر لبهجتي فقد كان الأمل الذي بدأ يدغدغ قلبي في أن أفرز يومًا ما لؤلؤة كبيرة أتباهى بها، وأزهو بتقديمها هدية إلى حوريتي.

وبينما كنت مستغرقًا في نشوة حياتي الجديدة لمحت حوريتي تقترب نحوي. وكان رد الفعل عندي غريزيًا وآليًا، لا علاقة له بالعاطفة أو الرغبة أو الإرادة، حتى أنني نفسي فوجئت به. فقد أطبقت مصراعي بيتي الصدفي بسرعة، وانزويت في ركن منه أرتجف من خوف لا أستطيع تفسيره، ولا يمكن أن أجد تبريرًا له.

وعندما سكن خوفي تحرك نفوري من كوني مجرد صدفة سلبية مستسلمة إلى خوفها، ورغبت في تجربة صورة كائن أكثر إيجابية وجرأة. وقبل أن ينقضي الليل تحولت إلى قنديل بحري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت